التوأم
16-01-2017

 

أحمد، صديقي في الكلّيّة، إنسانٌ مناضل وذو مبادئ. لا يكفّ عن الصراخ طوال الأسبوع. ما يعجبني في نضاله أنّ شَعره كثيف وينمو بسرعة. لا بدّ له من ارتياد دكّان الحلّاق مرّتين في الشهر على مضض. في ذلك الصباح الخريفيّ، حين كان ينتظر دورَه للتخلّص من كومة الشعر التي تخفي رأسه الصغير، تجوّل بنظراته في أرجاء الدكّان ووجوه الزبائن. المنظر يبعث على الكآبة. همّ بالانصراف حين رأى نفسَه في المرآة الكبيرة وكأنّها أوّلُ مرّة. فرك عينيه، وأخذ يتأمّل صورًا قديمة تعلو الجدران.

تأمّل الشارع الممتدّ أمامه من خلال الزجاج المتّسخ. امرأة قادمة بخطوات متثاقلة.

مليكة؟

توقّفتْ قبالة الدكّان وأشارت إليه بيدها.

قام نحو الباب. قطع الشارعَ بسرعة وصافحها بحرارة، والحلّاقُ يرمقهما في غيظ. نظراتُها غريبة، وبريقُ التحدّي الذي كان يميّزها يكاد يغيب عن عينيها.

ــــ أين اختفيتِ كلّ هذه المدّة؟

ــــ ...

قبل أن يفترقا كانا قد تواعدا على اللقاء ذلك المساء. طبعًا سيحكي هو عن جديدِ نضاله. في المساء، كان مقصفُ الكلّيّة يفور بالطلبة. انزويا إلى مائدةٍ منفردة. بعد نقاش طويل، علم أحمد أنّ فضاء الكلّيّة قد زُيّن بمولودٍ جديدٍ من مليكة، مولودٍ يحمل جيناتِ "الخطيئة." لم يستوعب كلامَ صديقته المصحوب بكثير من الحسرة. لا بدّ من تجاوز الغوص في التفاصيل والبحث عن حلّ سريع.

فيما كانت مليكة تستدرج صديقَها للانخراط في هذا الحدث، كان الصغير يطلق صراخًا حادًّا في غرفة بسيطة وسط الحيّ الشعبيّ، غير بعيدٍ عن الكلّيّة، وهي الغرفة التي تكتريها مليكة مع إحدى زميلاتها. الصغير لا يكفّ عن طلب المزيد من الحليب والأغطية. ليست هذه هي المشكلة، تشير مليكة؛ فهناك أوراقٌ يجب ملؤها: أسماء وألقاب وكثير من الوثائق لتكتسب "الخطيئةُ" شرعيّتَها.

ــــ أنت إنسان مناضل. ونضالك يختلف عن تلك العبارات الفضفاضة والفارغة، ويتخطّى حدودَ الكلّيّة. مستقبلُ الصغير في يدك.

ــــ كيف؟

ــــ سنثبت ذلك شكليًّا في المَحاضِر ليجد الصغير، في المستقبل، مكانًا يُنتج فيه أفكارَه التي لن تصلح لشيء.

إنسانيّة أحمد جعلته يقتنع بكلام صديقته. بقي أن يتبنّى الطفلَ كي لا يُحرَم بعضَ الحقوق، كالالتحاق بصفّ الكسالى في المدرسة العموميّة.

 في هذه المرّة، قَدِم إلى مخفر الشرطة بمحض إرادته، يحمل رضيعًا، وإلى جانبه تمشي "زوجة."

ــــ أأنت والدُ الطفل؟

ــــ أجل!

اِنخرط الموظّفُ في نوبة من السعال، وهو يدوّن المعلومات. وما إنْ تسلّما كلّ الوثائق حتّى انطلقا خارجًا واختفيا.

ــــ ماذا الآن؟

ــــ الآن عليك الاهتمامُ بالطفل. ولا تنسَ أن تختار له اسمًا يساير الموضة!

ــــ هل هذا هو الاتفاق؟

ــــ أتذكر حين جئتَ إليّ تحمل همومَ الغريزة؟ أظنّ أنّ القدرَ حمل إليك هذا الصغير كي يشغلكَ عن الهتاف.

 واختفت بعدها مليكة، فيما قيّدت الصدمةُ قدمَي الأب الجديد.

***

مرّت شهورٌ والطفلُ مازال يصرخ، ويطلب كثيرًا من الحليب والأغطية. وضاعت أحلامُ أحمد في تحسين أوضاع زملائه وسط هذا الضجيج . رقّ قلبُ أحد الزملاء لهذه الحال، فنصح صديقَه بوضع الصغير أمام باب منزل إحدى الأُسر الغنيّة، فيضمن له عيشًا هنيئًا، ويستريح هو من عويله الدائم.

منتصفَ الليل، غادر أحمد الحيَّ الشعبيَّ يتخبّط في أكوام من الوحل، إذ كان التيّارُ الكهربائيّ منقطعًا عن المنطقة كلّها. وبعد لحظات دخل الشارعَ العريض. سيّاراتٌ تلمع في ضوء الأعمدة، أشجارٌ كثيفة، ورائحةٌ رطبةٌ تحيط بالمكان. وخلف النوافذ الكبيرة المغطّاة بالستائر تتحرّك أجسام نحيفة في هدوء.

تحسّس أحمد رجلَي الصبيّ، وتمنّى له حياةً سعيدةً. الوضع لا يتحمّل مزيدًا من العواطف، يجب مغادرة المكان بسرعة. فُتح بابُ سيّارةٍ غارقةٍ في ظلال الأشجار، شقّ الصمت العميق الذي يحيط بالمكان، ونزل رجلان في معطفين أسودين كبيرين:

ــــ إذًا، أنتَ من يضع الصبية هنا! أخوه التوأم، الذي أحضرتُه منذ أسبوع، ينتظرُ في المخفر، ويشتاق إلى لُحمةِ العائلة!

بعد سيل من الأسئلة والنظرات والملفّات دام الليلَ كلّه، عاد أحمد إلى غرفته فجرًا. وتضاعف الصراخُ والعويل، وطلبُ الحليب والأغطية.

نما شعرُ الصبيّين، بالإضافة إلى شعر أحمد الذي اشتعل شيبًا. اصطحبهما عند الحلّاق. الزجاج ما زال متّسخًا، وامرأة تجرّ ثوبها في الرصيف المقابل...

مازلت أكره هذا المكان!

مراكش، المغرب

محمد طولون

كاتب من المغرب. حاصل على الماجستير في الآداب من جامعة كاستيا لامانشا- إسبانيا  سنة 2014 وباحث في الدكتوراه في الجامعة نفسها. عضو سابق بالبعثة الثقافية المغربية بمدريد.