العامل الدينيّ ومواجهة الاحتلال
29-10-2020

 

 

النقطة الأولى: ما المقصود بالعامل الدينيّ في هذه الورقة؟

من الممكن النظرُ إلى العامل الدينيّ من زاويتين:

الأولى: الزاوية الدينية الصِّراعيّة. إذ يمكن القولُ إنّ الصراعَ مع العدوّ الصهيونيّ هو صراعٌ دينيّ بين مجموعتيْن أو مجموعات دينيّة، أحدُ أطرافها هو اليهوديّةُ المتمثّلةُ في الاحتلال الصهيونيّ، وذلك لكون الكيان الصهيونيّ نفسه قد قام على بُعدٍ دينيّ، استُثمرتْ فيه ادّعاءاتٌ تاريخيّةٌ وأدبيّاتٌ ومصطلحاتٌ دينيّة، وأعطيت الدولةُ الصهيونيّةُ نفسُها أخيرًا صفةً دينيّةً. أمّا الطرفُ الثاني الأكثرُ حضورًا فهو الإسلام، المتمثّلُ في بلدان المنطقة وشعوبِها بوجهها العامّ.

الثاني: الزاوية الدينية الأداتيّة. إذ يمكن اعتبارُ العامل الدينيّ أداةً استخدمها الصهاينةُ أنفسُهم، أوّلًا، عند اختراع فكرة "الوطن القوميّ لليهود،" سواءٌ في المؤتمرات اليهوديّة أو في وعد بلفور؛ ثمّ استخدمها مؤسِّسو الكيان الأوائلُ - الذين لم يكونوا متديِّنين وإنّما عَلمانيّين، وربّما ملحدين بالمعنى الدينيّ - عنصرًا فعّالًا في تشكيل قضيّةٍ ذاتِ تأثير وجدانيّ عالٍ. وكذلك حضرَ هذا العاملُ، ثانيًا، في تعبير القوى الإسلاميّة عن نفسها، وهي القوى الأبرزُ مؤخّرًا في حركات المقاومة (المسلَّحةِ خصوصًا)، حيث حضرت الهويّةُ الإسلاميّةُ وأدبيّاتُها بقوّةٍ في تحفيز المقاومة، ولا سيّما في العقود الأخيرة، وما تزال حيّةً حتّى زماننا الراهن.

في نظري أنّ الاحتمال الأوّل ينبغي لنا استبعادُه لغيرِ سبب:

أوّلًا: لأنّ المشكلة ليست مع اليهوديّة كدين، وإنّما مع الاحتلال الصهيونيّ لفلسطين والأرض العربيّة. وهذان موضوعان مختلفان.

ثانيًا: لأنّ إضفاء البُعد الدينيّ على الصراع يُخْفي هويّتَه الحقيقيّة، وهي أنّ الاحتلال الصهيونيّ مشروعٌ استعماريّ نشأتْ فكرتُه في لحظةٍ تاريخيّةٍ مفصليّة، هي الحربُ العالميّةُ الأولى، التي أنهت الدولةَ العثمانيّةَ؛ وهذه مثّلتْ رسميًّا امتدادًا للتاريخ الإسلاميّ في حكم المنطقة. ومن ثمّ أوجِدَ هذا المشروعُ لا لمنع قيام وحدةٍ إسلاميّةٍ مجدّدًا فحسب، بل لمنع أيّ وحدةٍ في المنطقة أيضًا، ولو على أساسٍ قوميٍّ أو نفعيٍّ مشترك.

ثالثًا: لأنّ حصرَ الصراع بالهويّة الدينيّة سيَستبعد تاريخًا من النضال الذي قامت به جهاتٌ لم تنطلقْ من أسسٍ دينيّة (بالمعنى النظريّ المحرّك)، وإنّما من أساسٍ قوميّ أو ثوريّ، أو من مجالٍ اجتماعيّ-دينيّ لكنْ ليس على أسسٍ دينيّة. وهذا الحصرُ قد يقطع الطريقَ على فئاتٍ كثيرةٍ تنخرط فعلًا في قلب المواجهة؛ وهو أمرٌ خطيرٌ على القضيّة، وعلى ما يجب البناءُ عليه للمستقبل.

 

النقطة الثانية: أهمّيّة العامل الدينيّ ضمن الاحتمال الثاني

على الرغم من ترجيحنا لزاوية النظر الثانية في العامل الدينيّ، أيْ للزاوية الأداتيّة أو الحركيّة للدِّين في مواجهة الاحتلال، فإنّ من المهمّ النظرَ إليه كعاملٍ حيويٍّ يمكن أن يشكّل عصبًا رئيسًا في المواجهة المستمرّة التي يمكن البناءُ على تفعيلها مستقبلًا. وهذا العامل ينبغي ألّا نقعَ في منزلقِ استبعاده تحت أيّ اعتبارٍ أو جدلٍ يدور حول دور الدِّين والعلمنة، وغير ذلك من الثنائيّات التي يشكّل الدينُ طرفًا فيها. وذلك لعدّة أسباب:

الأوّل: طبيعة المجتمع. فالدين يمثّل العصبَ الأساسَ في حركة إنسانِ هذه المنطقة. حتّى إنّ البُعدَ القوميّ نفسَه، الذي امتلك زمامَ المبادرة في فترةٍ سابقة، بنى على هذا العامل بشكلٍ وبآخر، وعلى نحوٍ واعٍ أو غير واعٍ.

الثاني: طبيعة الانتشار. فالإسلام كدينٍ ينتشر في مساحة العالم، وهذا ما قد يجعل البناءَ عليه عنصرًا حيًّا وحاضرًا - ولو بنسبة - في الوجدان العامّ للانتشار الإسلاميّ. كما أنّنا إذا جمعنا الدّينيْن الإسلاميّ والمسيحيّ، فنحن نتحدّث عن أكثر من نصف سكّانِ الأرض، وعن كلّ المنطقةِ تقريبًا. عند هذه النقطة تبرز - مثلًا - أهمّيةُ انتشار ثقافة المقاطعة والمقاومة في المجال الغربيّ عبر المؤسّسات التي يمكن أن تؤثِّرَ في الرأي العامّ المسؤول عن السكوت عن كثيرٍ من السياسات المؤيِّدة للكيان الصهيونيّ خارجيًّا أو الداعمة لها.

الثالث: جمهور المقاومات الإسلاميّة التي دخلتْ في مرحلة من التحوّل الاستراتيجيّ في العقود الأخيرة. هذه المقاومات ترتكز إلى العامل الدينيّ بشكلٍ محوريّ، وسيكون من السذاجة استبعادُ الأدبيّات التي رافقتْ عملَها المتراكمَ في أذهان الجماهير الواسعة المؤمنة بها.

 

النقطة الثالثة: خطورةُ العامل الدينيّ

في الوقت ذاته، لا مفرّ من الإذعان إلى وجود إشكاليّةٍ حقيقيّةٍ في تأثير العامل الدينيّ، وهي أنّه دخلَ منذ سنواتٍ على خطّ فالقٍ زلزاليٍّ خطيرٍ في المنطقة والقضيّة بالذات. فقد شكّل الانقسامُ المذهبيّ عنصرَ تدميرٍ مدوٍّ للمنطقة نفسها. كما أنّه أمّن غطاءً سياسيًّا مؤاتيًا لتمرير صفقات إلغاء قضيّة احتلال فلسطين، ولتكريسِ الكيان الصهيونيّ جزءًا ذا أولويّةٍ على أجزاءٍ أصيلةٍ في المنطقة تاريخيًّا وجغرافيًّا وحضاريًّا ودينيًّا.

ولكنّنا نعتقد، في المقابل، أنّ هذا الانقسامَ المذهبيّ قد استُثْمِر فيه العاملُ الدينيُّ سياسيًّا، ومن ثمّ لم يكن سوى أداةٍ في يد المؤامرات السياسيّة الكبرى التي صَنعتْ واستفادت من أحداثٍ كبرى عمّقت الانقسامَ، فكانت جزءًا من تلك المؤامرات. وعلى الرغم من كون السياسة قد استفادت من العامل الدينيّ لتحويله إلى انقسامٍ صراعيّ، فإنّ من غير الممكن حذفَ هذا العامل لأنّه يمثّل - من زاوية حركات المواجهة والمقاومة - ورقةً رابحةً تاريخًا ومستقبلًا. وما ينبغي أن يتغيّر هو كيفيّةُ تعامل هذه الحركات معه في المرحلة المقبلة؛ وهو ما سنعود إليه لاحقًا.

تجدر الإشارةُ إلى أنّ إشكاليّةَ اللعب على الانقسامات مسألةٌ سيّالةٌ في كلّ الواقع الشعبيّ، وإنْ كان العاملُ الدينيّ أقواها بطبيعة الحال، بحيث يمْكن أن نعتبر أنّ أيَّ عنوانٍ تتّخذُه حركةُ المقاومة أو المقاطعة سيجتذب الخططَ الخفيّةَ والمؤامراتِ الشيطانيّةَ للَّعب عليه بحيث يؤدّي إلى الانقسام على أساس عناوينَ أخرى وقضايا مختلفة. والتجارب في تاريخ الصراع واضحةٌ في هذا المجال. وهذا ما يجعلنا أقربَ إلى العمل على ترشيد التعامل مع عامل التنوّع المذهبي منّا إلى استبعاده؛ فضلًا عن أنّ الاستبعاد مخلٌّ بتزخيم آليّات الصّراع كما أشرنا سابقًا.

 

النقطة الرابعة: أوجهُ استثمار العامل الدينيّ في المواجهة

أوّلًا: في الوعي

أ - ليس العاملُ الدينيّ عاملًا روحيًّا فقط، ولا هو يضبط العلاقةَ العموديّةَ بين الإنسان وربّه فحسب، بل هو علاقةٌ تتحرّك في اتّجاهيْن أيضًا:

- الأوّل، هو العلاقةُ بالإله، التي هي علاقةٌ إيمانيّةٌ وجوديّة.

- والثاني هو العلاقةُ بالحياة، حيث تتجلّى العلاقةُ بالله في منظومةٍ قيميّةٍ محرِّكةٍ وفاعلةٍ لكونها - بسبب الإيمان - نابعةً من محرِّكٍ ذاتيّ. وهي منظومةٌ تضبط تقويمَ الأحداث واتّخاذَ المواقف ووجهةَ الحركة؛ ذلك لأنّ المتديِّن حقًّا هو الذي يجعل نفسَه محكومًا لتلك المنظومة، بعيدًا عن مصالحه الذاتيّة وهواه الانفعاليّ أو الغرائزيّ.

ب - ثمّة فخٌّ يكمن في الجَسْر بين الآلام اليهوديّة التاريخيّة وتشريعِ الاحتلال. فنحن نشهد منذ عقودٍ لَعبًا على قضايا تتّصل بالتاريخ اليهوديّ، مثل قضيّة المحرقة النازيّة، بغضّ النظر عن النقاش حولها أو حول حجمِها. لا مشكلةَ لدينا دينيًّا في التعاطف مع عذابات اليهود الإنسانيّة في أيّ مدًى زمنيٍّ لا علاقة له باحتلال فلسطين، ولا في أيّ مدًى جغرافيّ أو اجتماعيّ لا يرتبط بالاحتلال. ولكنَّ ربطَ الدعاية الصهيونيّة بين المحرقة مثلًا وبين دولة الاحتلال أدّى إلى اتخاذ الأولى ذريعةً عاطفيّةً عالميًّا للتعاطف مع الثانية. وهو ما يجعل عدمَ وعي ذلك من قبيل السذاجة السياسيّة، ويجعل تعاطفَ بعض الجهات (الإسلاميّةِ وغيرِها) مع تلك الآلام من دون التأكيد على رفض الاحتلال مؤامرةً موصوفةً على الحقّ والشرعيّة. وبسبب استحكام هذا الربط والتوظيف، فإنّه لا يعود ثمّة مجالٌ للتعاطف، لأنّ المسألة غيرُ قابلةٍ للتجزئة عمليًّا، وإنْ كانت قابلةً نظريًّا. كما أنّ التفكيك قد ينفع للخطاب العامّ، ولم يعد ينفع في إدارة معركةِ مقاومةِ الاحتلال.

ثانيًا: في الأدوات

1 - تفعيلُ المفاهيم الشرعيّة المرتبطة بأصل القضيّة وحقّانيّتِها، والارتقاءُ بالالتزام بها إلى مستوى الفعل الإيمانيّ الذي لا يمكن التنازلُ عنه. وفي مقدّمة تلك المفاهيم أنّ الغصبَ والاحتلالَ لا يقبلان أيَّ شرعيّة. وهذا الموقف لا يزول مع تقادُم الزّمن، ولا يتغيّر بتغيّر الهويّات، ولا بتنازل أصحابِ القضيّة أنفسِهم؛ وقد قال السيّد محمّد حسين فضل الله يومًا: "لو أنّ اليهودَ المحتلّين دخلوا في الإسلام لقلنا لهم اخرجوا من فلسطين، لأنّه "لا يحلّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلّا بطيبِ نفسٍ منه."

2 - كما أنّ هذا المبدأ يشكّل حمايةً للقضيّة:

أ - أمام الضغوط السياسيّة الخارجيّة التي تدفع أصحابَ الأرض والحقوق إلى التنازل عنها. ذلك لأنّ الاحتلالَ ظرفُ إكراهٍ في حدّ ذاته، ومن ثمّ لا شرعيّةَ لأيّ انتقالٍ في الملْكيّة أو تنازلٍ عن الحقوق.

ب - وأمام الاتفاقيّات السياسيّة التي يوقّعها حكّامٌ في ظلّ الواقع الدوليّ المتآمرِ على القضيّة، سواءٌ من داخل النسيج العربيّ والإسلاميّ أو من خارجه؛ وأمام الاعتراف الرسميّ الذي تقوم به بعضُ الدول العربيّة. فكلُّ ذلك لا يغيِّر من هذا الحقّ شيئًا: فهو حقٌّ للشعوب، وهذه الشعوب هي حاملةُ القضايا إلى الأجيال، والأنظمةُ الرسميّةُ وكيلةٌ عن هذه الشعوب في أقصى تقدير، فكيف إذا كانت جائرةً؟! لا مشروعيّةَ لها ولا لتوقيعها حينئذٍ!

3 - إنّ استدامةَ الموقف الشرعيّ من أصل القضيّة يتطلّب استدامةَ وعي الموقف لدى الأجيال المتعاقبة من الشعوب. وهو يتطلّب التخطيطَ المستمرَّ لمواجهة الضغوط والمتغيّرات التي تعمل ضدّ هذا الاتّجاه.

4 - إنّ مساعدة المهجَّرين (وهذا المصطلح أوْلى من مصطلح "اللاجئين") على الرجوع إلى أرضِهم وممتلكاتِهم جزءٌ من فعل الإيمان: "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي يا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِم." كما أنّ الاهتمام بالقضيّة نفسها جزءٌ من حقيقة الإسلام: "مَنْ أَصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ."[1]

5 - ثمّة أدبيّاتٌ تكتسب محوريّةً في استراتيجيّات الصّراع، ومنها مفهومُ "العزّة." هذا المفهوم لا يقتصر على صناعة القوّة، وإنّما على الإحساس بحضور الذات (الفرديّة أو الجماعيّة) وسُمُوِّها بين الوجودات المتنوّعةِ أيضًا. والعزّة ليست نوعًا من الشعور الأجوف، أو لونًا من الخُيَلاء والتكبّرِ الفارغ، وإنّما هي امتلاءُ الوجود بعناصر القوّة، والثقةُ بالإرادة والفاعليّة، في شتّى ميادين الحياة، السياسيّةِ والاقتصاديّةِ والأمنيّةِ والعسكريّة.

كما يَفرض مبدأُ "العزّة" العملَ على تحقيق الاكتفاء الاقتصاديّ، وعدمَ الانزلاق نحو تبنّي اقتصاديّاتٍ تَرْهن مستقبلَ البلد ومقدّراتِه أو تشلُّ قدراتِه. وهو يَفرض العملَ على بناء القوّة العسكريّة انطلاقًا من التحدّيات، لا من مصالح القوى الخارجيّة، ويفرض عدمَ الدّخول في اتفاقيّاتٍ لا تنسجم مع المبادئ ولا تراعي المصالحَ القوميّةَ والإسلاميّة. ويَفرض أيضًا عدمَ الرضوخ لإملاءات الخارج والقوى المستكبرة.

أمّا مفهوم "حرمة إعانة الظّالم" فيكتسب بُعدًا محوريًّا في ديمومة القضيّة: "ولا تركَنوا إِلى الَّذينَ ظَلَموا فتَمَسَّكُمُ النّارُ"[2]؛ و"مَن أعان ظالمًا على ظلمِه جاء يوم القيامة وعلى جبهته مكتوبٌ: آيسٌ من رحمةِ الله."[3]ومن ثمّ، لا يجوز للإنسان المسلم أن يُعِين أيًّا من المنظّمات أو الدّولِ أو الجهاتِ التي تعمل في بلداننا، مدعومةً من جهاتٍ إقليميّةٍ أو دوليّةٍ أو حتّى محلّيّة، من أجل تشريع الغصب والاحتلال.

ومن "حرمة إعانة الظّالم" ينبثق مبدأُ لزوم المقاطعة الاقتصاديّة. ذلك لأنّ البُعد الاقتصاديّ يلعبُ دورًا محوريًّا في تقوية الاحتلال عبر دعم شركات العدوّ أو الشركات التي تدعمه، خصوصًا المنتجات التي يعمل التسويقُ على تحويلها إلى جزءٍ من حاجات الإنسان الفعليّة، حتّى في عاداته اليوميّة؛ وهو الأمر الذي ينعكس على ثقافة الأجيال بشكلٍ خفيّ.

6 - إنّ مقاومة التطبيع جزءٌ من التكليف الشَّرعيّ للإنسان المسلم، عنيْنا "وجوبَ إنكار المُنْكَر." ذلك لأنّ الاحتلال هو من المنكَر الذي يجب رفضُه: أ) باليد - وهذا ممكنٌ في ما تمارسه حركاتُ المقاومة، ويجب كذلك في حركة المقاطعة. ب) وباللسان - وهو ما يجب العملُ عليه في كلّ وسيلةِ تعبير؛ وهذا دورُ الإعلام بكلّ أشكاله. ج) وبالقلب كذلك، وهو الدائرةُ الأخيرةُ التي لا يمكن الخروجُ من مفاعيلها، بحيث لا يجوز للإنسان المسلم أن يقبلَ بالاحتلال أمرًا شرعيًّا، ولا أن يزيلَ من نفسه رفضَ هذا المُنكَر، وإلّا كان خارج الإيمان. وبالتالي، لا يجوز للمسلم أن يتركَ نفسَه للمتغيِّرات السياسيّة، أو عرضةً للتأثّر بالدِّعاية الإعلاميّة، أو رهنًا للفهم السطحيّ للأمور، بل يجب عليه العملُ - فردًا أو ضمن جماعات - من أجل إبقاء جذوة "إنكار المنكَر" حيّةً في داخل وجدانه. وهذا بحدّ ذاته يحتاج إلى تخطيطٍ ومواكبةٍ دائمة، وإلى تطوير الأدوات التي تحافظ على ثقافة الإنكار حيّةً في نبض الأجيال، وبعيدةً عن الحروب النّاعمة التي تعمل على التغيير الخفيّ في اتجاهات الجماعات وثقافتِها، بما يؤدّي في النهاية إلى قبول المنكَر، بل تشريعِه في كثيرٍ من الأحيان، وإلى تحويل المقاومين إلى مطارَدين، وتحويلِ القضيّة الواضحة المحقّةِ إلى قضيّة باطلٍ يجبُ العملُ على إزالته. وعلى هذا الأساس، تصبح المحافظةُ على نبض الوجدان نفسه هنا فعلَ وجوبٍ وإيمان.

7 - عندما يرتبط الأمرُ بالوجدان الفرديّ والجماعي، فإنّنا هنا نتحدّث عن ثقافةٍ بمعناها المجتمعيّ الشامل. وهذا يتطلّب الحركةَ في اتّجاهيْن:

أ - تفعيل حضور القضيّة عبر كلّ ألوان التعبير الثقافيّ لتبقى نابضةً بالحياة في وجدان الشعوب. وهنا يجب الالتفاتُ - مثلًا - إلى البرامج التلفزيونيّة التي تعمل على تنميط صورةٍ عن الإبداعات العربيّة والإسلاميّة، خصوصًا في ما يتعلّق بقضيّة فلسطين والتعبير عنها.

ب - مقاومة كلّ فعل ثقافيّ يؤثّر سلبًا في الوجدان والوعي والرفض النفسيّ للاحتلال.

هذان الاتجاهان لا بدّ من أن يعبّرا عن نفسيْهما في نقد المناهج التعليميّة، وضبطِ الإعلام والمصطلحات، والنشاطات الثقافيّة في عصر العولمة. هكذا يمكننا إطلاقُ الموقف بالقول: إنّ المحافظة على الذاكرة واجبٌ شرعيّ، والمحافظةَ على النبض واجبٌ شرعي، واستخدامَ أدوات الرفض العمليّ واجبٌ شرعي، كما القيام بدور التغيير واجبٌ شرعيّ.

8 - إيجاد الروابط اليوميّة ذاتِ الصلة بالثقافة الإسلاميّة الموجودة حُكمًا لدى شعوبنا، وإعادة برمجتها بالطريقة التي تصبُّ - في بعض أوجهها - في خدمة مواجهة الاحتلال. ومن ذلك:

أ - الربط مع الشعائريّة الدائمة، أي الصَّلاة، التي تمثّل في وجدان المسلم "عمادَ الدّين،" واللقاءَ الروحيَّ المتكرِّرَ بالله، والاستعادةَ الدائمةَ لكثيرٍ من المفاهيم الإسلاميّة التي تصبُّ في تفعيل الذات ومواجهةِ التحدّيات. وتمْكننا هنا الإشارةُ إلى عدّة نقاطٍ نحسبها مهمّةً في موضوع الصّلاة:

i) وعي أهمّية المسجد مفهومًا (بيت الله)، وتاريخًا (القِبْلة الأولى)، واجتماعًا (ارتباط المساجد في مساحة انتشارها بعضِها ببعض)، ووظيفةً (دور المسجد في حركة الوعي). وهذا النوع من الارتباطات يمثّل امتدادًا للرمزيّة التي يحملها المسجدُ، متّصلةً ببيت المَقْدس. ii) وعي أنّ المسجد ليس البناءَ فقط، وإنّما المكانَ أيضًا. ومسجديّتُه لا تزول بأيّ عاملٍ من العوامل. وبالتالي يَمْلك الوعيُ الدينيُّ القدرةَ على المحافظة على استمراريّة رمزيّة المسجد الأقصى في وجدان الشعوب، أيًّا كان ما تفعله قوّاتُ الاحتلال تجاهه.

ب - تفعيل الاحتفاليّات الدينيّة التي ترتبط بالمعالم الدينيّة وترمز إلى قضيّة التحرير، مثل: الإسراء والمعراج، ميلاد السيّد المسيح، يوم القدس العالميّ (آخر جمعة من شهر رمضان)،...

9 - الاستمرار في تزخيم الأدبيّات التحفيزيّة على المواجهة في وجدان الشّعوب، ومنها مفهومُ "الجهاد في سبيل الله." طبعًا من الخطأ التنازلُ عن هذا المفهوم بحجّة الاستخدامات المسيئة له من قِبل حركات الإجرام والتكفير؛ ذلك لأنّ لمفهوم "الجهاد" بُعدًا جوهريًّا في حركة الصّراع، لا مع العدوّ الخارجيّ فقط، وإنّما أيضًا مع النوازع النفسيّة التي تدفع الإنسانَ إلى الاستسلام والخنوعِ والذلّ، استنادًا إلى اتساع المفهوم إلى "الجهاد الأصغر" (الجهاد بالنفس والمال) و"الجهاد الأكبر" (جهاد النفس).

10 - تمتين العلاقات الإسلاميّة-الإسلاميّة. وهذا لا يتمّ بلقاءات المجاملات والصّور التذكاريّة، وإنّما يعبّر عن نُضجٍ أثبتت التجاربُ أنّ شعوبَنا تحتاجه. وهذا النضج يتحقّق بإعادة النظر في التراث الذي فيه الغثُّ والسمين، وبالتواصل الإيجابيّ مع منجزات العصر، وإعادةِ إنتاج تعبير الذات عن الهويّة المذهبيّة بطريقةٍ لا تحوّلها إلى ألعوبةٍ بأيدي كلّ عابثٍ بأمن المنطقة ومقدّراتِها ومستقبلِها.

لا مانع من أن تكون هناك وحدةٌ مصلحيّةٌ مستندةٌ إلى تفعيل العلاقة بالتراث في كلّ مجال مذهبيّ بطريقةٍ تحفيزيّةٍ، تتجاوز الجدلَ حول الرموز والشخصيّات لدى كلّ فريقٍ أو مذهب. يجب الانتقالُ في تنشئة الشخصيّة الإسلاميّة من تلك التي تستغرق في التاريخ وتتقمّص صراعاتِه وشخصيّاتِه وأحداثَه إلى تلك التي تستثمر التاريخَ في صناعة التاريخ. وهذا يتطلّب تغييرًا في منهج التربية الإسلاميّة.

ليس المطلوب هنا إسلامًا بلا مذاهب - - فالخصوصيّة المذهبيّة جزءٌ من تعبير الذات عن نفسها وقناعاتها. وإنّما المطلوب إعادةُ قراءة هذه الخصوصيّة بما يؤسِّس لرحابةٍ وحالةٍ حواريّةٍ وانفتاحٍ وتعاونٍ مع الآخر في سبيل الخطوط والأهداف الواحدة.

11 - ضرورة العمل على تمتين العلاقات الإسلاميّة-المسيحيّة بالذات، واعتبارها جزءًا من أدوات استعادة الحقوق، بل العمل على اجتراح كلّ نصٍّ أو مفهوم دينيّ يمكن أن يعيد الموقفَ الدينيَّ المسيحيّ إلى الانخراط مجدّدًا (في حال إهمال القضيّة)، أو إلى تعزيز الانخراط (لمن لا يزالون ثابتين في خطّ المواجهة)، في مبدأ مواجهة الاحتلال من موقع دينيّ حيّ.

12 - تأكيد العقيدة الإيمانيّة التي ترفض اليأسَ في حركة المقاومة والمقاطعة. فقد اعتُبر اليأسُ قرينَ الكُفر، وذلك في قوله تعالى: "إنّه لا ييأس من روْحِ اللهِ إلّا القومُ الكافرون."[4]وهذا يحتاج إلى بناءٍ إيمانيّ وجدانيّ فاعلٍ في شخصيّة الإنسان المسلم، يتجاوز الحالةَ الطقوسيّةَ للدين إلى الحالة الرمزيّة لهذه الطقوس في تعزيز علاقة قيم الدّين بالحياة. وبذلك يشعر الإنسانُ المسلم، مهما أطبقتْ عليه الظروفُ وعظمت التحدّيات، بأنّ الباب لا بدّ من أن ينفتح، لا من خلال شعور الخدر الفارغ، وإنّما من خلال الإيمان بوجود الله، المهيمنِ على الأمر كلِّه، والذي وعد عبادَه بالنّصر إنْ تلبّسوا بالنصر للقضايا الحقّة والمبادئ الكبرى، ولا سيّما أنّ ثمّة وعدًا بالنّصر في خصوص بيت المقدس، وذلك هو قولُ الله تعالى: "فإذا جاء وعدُ الآخرةِ ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجدَ كما دخلوه أوّلَ مرّةٍ وليتبّروا ما علوْا تتبيرًا".[5]

بيروت

 


[1] الكافي، ج 2، ص 164.

[2] سورة هود، الآية 113.

[3] كنز العمال، 14950.

[4] سورة يوسف، الآية 87.

[5] سورة الإسراء، الآية 7.

جعفر فضل الله

أستاذ محاضر في الفقه وأصوله في المعهد الشرعيّ الإسلاميّ ببيروت، وكذلك في معهد العلوم الاجتماعيّة - الجامعة اللبنانيّة.