Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

المثقف المغربيّ ورهانات التحوّل الديمقراطيّ (2): أيّ مهامّ للمثقف المغربيّ في مسيرة التحوّل الديمقراطيّ؟

ندوة

في 15 نيسان (أبريل) أجرت مجلةُ الآداب، ممثّلةً بمراسلها د. عبد الحقّ لبيض، ومركزُ أجيال 21 للثقافة والمواطنة، ممثلةً بمديرها  الأستاذ عبد الغني عارف، ندوةً حواريّةً في المكتبة الوسائطيّة في المحمّدية (المغرب)، شارك فيها 5 باحثين مغاربة: د. زهور كرام، د. عبد الحميد الجماهري، د. عبد العالي مستور، د. مصطفى بوعزيز، د. سمير أبو القاسم. وقد ارتأينا نشر مجريات الندوة على قسمين، تبعًا لانقسامها إلى محوريْن، على أن يُنشر المحورُ الثاني بعد أيّام معدودة. هنا المحور الأول، وقد أداره د. عبد العزيز كوكاس. وهنا الجزء الثاني.

عبد الحقّ لبيض: ماذا يعني أن يتحدث المثقّف عن المثقّف؟ أليس الأجدى، بعد سنواتٍ لم تثمرْ بناءَ منظومة ثقافيّة متكاملة من لدن الفاعل الثقافيّ، أن نتركَ المساحة للإنسان العاديّ كي يقدِّم لنا آراءه في المثقّف؟ ألا نرى نسبةَ التمدرس العالية لدى فئاتٍ عريضةٍ من المجتمع، إلى جانب تأثير وسائل التواصل الاجتماعيّ في تغيير نمط حياة الإنسان؟ هل المثقف المغربي وحده القادر اليوم على قيادة التغيير وبناء الموقف الوطنيّ والقوميّ واستصدار الرؤية الحضاريّةّ الكبرى التي تأخذ على عاتقها تحقيق التحوّل الديمقراطيّ؛ أمْ أنّ الفاعلين الآخرين ـــ وعلى رأسهم "الخبراءُ" ووسائلُ الاتصال ـــ صارت فاعلًا في قيادة عمليّة التغيير ضمن قواعد لعبةٍ جديدة؟

عبد الحميد جماهري: أولًا، يبدو لي، ونحن نتحدّث عن دور المثقف في المجتمع، وكأنّنا نواجه هذا السؤالَ لأوّل مرّة! والحال أنّ هذا السؤال ليس سوى تمرين علميّ سيكشف عن تراكم كبير لأجوبة عميقة حول هذا الموضوع. ثانيًا: عن أيّ مثقف نتحدّث؟ أهو المثقف المحافظ، أم الليبراليّ، أم اليساريّ، أم الاستبداديّ،...؟ شخصيًّا، يهمّني أن أتموقع ضمن سياق المثقف اليساريّ، ومنه أحاول تأمّلَ أسئلة "المثقف." والمثقف اليساريّ هو المثقف الذي يبقي على مسافة دائمة إزاء النظام، ينتج ويفكر من خارج الدولة لا من داخلها.

بالنسبة لموضوع "الخبراء" ومجموعات التفكير، فهذه أمور فكّكها بيير بورديو قبل الثورة التكنولوجيّة الكبرى، وقبل التقليعة الفيسبوكيّة، متحدّثًا عن كيفيّة تفكيك آليّات الهيمنة. المسألة تتعلّق أيضًا بالشرعيّة المنبثقة من التخصّص، كما ناقشه فوكو، معتبرًا أنّ الأفكار التي سادت في مرحلة الأنوار، جاعلةً من المثقف "ضميرًا للأمّة" و"ممثًلًا للكونيّة،" قد استنفدتْ أغراضَها، ويجب إعادةُ النظر فيها وتركيزُ البحث في ما هو ميكرواجتماعيّ وميكروفكريّ. لهذا ، نجده باحثًا في العديد من السلط، ومنها سلطة السجن وسلطة المعرفة وسلطة الجسد، باعتبارها آليّاتٍ للتفكير لا بدّ من مساءلتها وتفكيكها لبناء معرفة واضحة عنها. وأعتقد أنّ هذا هو الدور الذي يجب أن يقوم به المثقفُ المغربيّ، بعيدًا عن صورة "المثقف النبيّ" أو "ملهم الشعوب."

ولدينا في مواقف إدوارد سعيد من المثقف نموذجٌ آخر يُحتذى في البحث عن وظائف المثقف الممكنة. السؤال المركزيّ عند سعيد بخصوص هذا الموضوع هو: هل دور المثقف أن يذهب إلى خلق توليفات، أمْ أنّه مثقف منحاز؟

 

لبيض: بعيدًا عن النموذج النظريّ لمهام المثقف الراهنة، يظلّ هذا المثقف مرتبطًا بأجهزة تسويق مقترحاته، بمعنى أنه مرتبط بمفهوم المؤسّسة. وهذه المؤسسة تعاني تكلسًا فكريًّا. فكيف يوفّق بين عمله المعرفيّ وعمله مروّجًا ميدانيًّا للأفكار؟

عبد الحميد: ما شكّل جوهرَ فكر جيل المثقفين، من أمثال الوزاني وبنبركة وبوعبيد وعلّال الفاسي، هو المزج بين الممارسة والنظريّة. إذ لا يمكن المثقفَ أن يظلّ منفصلًا عن إيقاعات محيطه وعن الحس الوطنيّ المشترك. إنّ صورة المثقف اليوم في الغرب هي صورة المشارك في أمور وطنه والملتحم بالحركيّة العامّة للشارع، أمثال: إدغار موران، وألان توران، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممّن يضبطون زمنَ تفكيرهم وإنتاجهم المعرفيّ على إيقاعات نبض الشارع وهموم المواطن. أضيف إلى ذلك النقاط الآتية:

1) المثقف اليساريّ مطالب بأن ينخرط في تحديد موقفه من الدولة.

2) يجب ألّا يعفي المثقفُ اليساري نفسه من الاشتغال في المسالة الدينيّة.

3) المثقف اليساريّ مطالب بصياغة رؤيته للعالم، لا أن تقتصر هذه المهمّة على الدعاة ورجال الدين السلفيين.

 

مستور عبد العالي: عندما نتحدّث عن دور المثقف في الإصلاح الدينيّ، أخاف من الخلط بين أمرين: رأيي الخاصّ في الدين، والدين باعتباره مطلبًا مشتركًا بين المغاربة، بغضّ النظر عمّا إذا كان يروقني هذا الأمر أمْ لا. عندما نطالب المثقف بأن يعيد تفكيكَ الخطاب الدينيّ، فعلينا التمييزُ بين ما أريده ـــ أنا العلمانيّ ـــ وما يريده الشعبُ المغربيّ؛ ومن الديمقراطيّة أن أخضع لسلطة غالبيّة الشعب. من هنا أرى أنّ المثقف ليس معنيًّا بوضع سكّةٍ واحدةٍ لعبور المجتمع نحو مرحلة جديدة، وإنّما المطلوب أن يقدّم مقترحات، وليكن الإسلامُ أحدَ هذه المقترحات على مستوى التداول، إلى جانب مقترحات العلمانيّة واليساريّة والليبراليّة وغيرها.

لا نريد أن نأخذ من الدعوة إلى "إعادة تفكيك الخطاب الدينيّ" سجالًا للمنافسة السياسيّة، كما هو ظاهر من ممارسات عديدة اليوم. إنّ عجزي عن منافسة الإسلاميّ في ساحة الانتخابات، أو في تأطير المجتمع والتغلغلِ فيه، لا يبرّر لي المطالبةَ بإزالة البعد الدينيّ أو إقصائه، ولا مطالبة الدولة أو الملك بالتدخّل لإعادة إنتاج الثقافة الدينيّة في المغرب! إنّ إعادة هيكلة الخطاب والممارسة الدينيّيْن في المغرب يجب أن تكون مسيرةَ سنوات من النضال الفكريّ والمعرفيّ، وعلى المثقف أن ينخرط فيها ويسخِّرلها كلّ أسلحته العلميّة والفكريّة.

وأخيرًا فإنّ المثقفين يملكون إمكاناتٍ واسعةً لتقوية مسار المشروع الديمقراطيّ الآن. لا يمكنهم أن يصمتوا عن المسألة الديمقراطيّة بدعوى "عدم اكتمال شروط بنائها،" بل عليهم أن ينخرطوا في ورش البناء بالأدوات والإمكانات المتوفّرة، وأن يمرّنوا الجميعَ على النقاش العموميّ الديمقراطيّ لبناء المنظومات الوطنيّة اعتمادًا على التعاقد المدنيّ الذي يؤسِّس له الدستورُ. إنّ المثقف العقلانيّ هو مَن ينتقد ويفكّك ويعيد البناء، انطلاقًا ممّا هو متراكم ومتحقّق، لا أن يكتفي بتشخيص الواقع والبكاء عليه. وعليه أن يسلك السبلَ الديمقراطيّة، وأن يكفّ عن ممارسة بعض السلوكيّات الرجعيّة ـــ كالاحتماء بالملَكيّة لتسويغ بعض المقترحات وتمريرها إلى حيّز التطبيق، أو الالتجاء إلى الدين لفرض الأفكار على الناس.

 

زهور كرام: لا بدّ من العودة إلى مناقشة مسألة المواقع الاجتماعيّة الافتراضيّة، أو إلى الثقافة التكنولوجيّة في عموميّتها، لنوضح أنّ  التكنولوجيا عند ظهورها كانت وسيطًا من الوسائط الإعلاميّة المتعدّدة، ولم يكن الوسيطُ التكنولوجيّ منتجًا بل خدماتيّ. أما اليوم فقد بات هذا الوسيط أداةً من أدوات الهيمنة والتحكّم، وهنا مكمن الخطر. وإذا لم نستطع تمثّلَ هذه الأشياء في عمق وظيفتها، فسنضيّع على أنفسنا فرصة الانخراط الواعي في العصر. إنّ أهمّ متغيّر في زمن الوسيط الإلكترونيّ هو أنّ كلّ أفراد المجتمع صاروا شركاء في الإنتاج. خطاب المثقف مطالبٌ بالتغيير، ولغتُه مطالبة بتغيير آليّاتها. فهناك جيل جديد، هو جيلُ الزمن التكنولوجيّ، الذي يمتلك منطقًا ورؤية جديدين، وأدواتٍ جديدة في التحليل.

 

لبيض: الأستاذ بوعزيز، كيف يمكن أن نرى إلى دور المثقف ضمن التحوّلات التاريخيّة الكبرى التي ذكرتْ بعضًا منها الأستاذة زهور؟ وما هي الآليّات والأدوات الجديدة التي يمكن من خلالها أن يبلور المثقفُ تصوّرَه للقضايا التي يحياها، ومنها كيفيّة إحداث التحوّل الديمقراطيّ داخل المجتمع المغربيّ؟

مصطفى بوعزيز: يعرّف مفهوم "الذهنيّة" بأنه ذلك البرنامج المستبطن والجماعيّ الذي يَجْمع ما بين "أبسط" فرد في المجتمع و"أعلى" شخص فيه. وهو البرنامج الذي من خلاله تُخلق التصرّفاتُ الجماعيّةُ اللاواعية، أو اللاوعيُ الجماعيّ. وهذه الذهنيّة هي التي تتحكّم في لحظات الأزمات ولحظات الفعل الحاسمة.

إذا تأمّلنا مسارَنا التاريخيّ الكونيّ فسنجده محكومًا بالحركيّات الكبرى التي تحكّمتْ فيها ثلاثُ محطّات أساسيّة هي: اختراعُ الكتابة، واختراعُ الطباعة، واختراعُ الأنترنيت ووسائل الاتصال الإلكترونيّة. الملاحَظ أنّ الذهنيّة العربيّة الإسلاميّة استوعبتْ حضارةَ الكتابة فأنتجتْ داخلها، بل أدّت فيها دورَ الريادة الحضاريّة في كافّة المجالات، لكنّها لم تستوعب حضارتَي الطباعة والأنترنيت. فلقد عَرف المغربُ في القرن الثامن عشر دخولَ المطبعة، لكنه بدل أن يطبع من خلالها أمّهاتِ الكتب لتزدهر الحركةُ الفكريّة، راح يطبع الحواشي التي خلقتْ من "القرويين" مؤسّسةً معرفيّةً تسهر على تكوين تقنيين في الفقه والشريعة وعلم الحديث وعلوم اللغة، ولم تسعَ إلى إخراج مفكّرين متنوّرين يضاهون المفكّرين الذين كانت المطبعةُ وراء حركيّتهم الفكريّة في أوروبا.

اليوم، ومع التطوّر الهائل في مجال وسائل الاتصال الإلكترونيّة، نجد أنّ إصلاحَ المدرسة والجامعة يقوم على أساس تكوين تقنيّ للأجيال القادمة بدعوى "ملاءمة التعليم لمتطلّبات سوق الشغل." ولحد الآن لم نخلقْ فرصًا للشغل، فأضعنا على المدرسة والجامعة تكوينَ علماء وفلاسفة ومفكّرين يتصدّون لمشكلة التأخّر الحضاريّ الذي تعيشه الأمّة. لذلك، فإننا في حاجة إلى مثقفٍ يقارب مثل هذه الأسئلة الحضاريّة الكبرى، وأن يرشدنا إلى أخطائنا حتى نتجاوز الخطر الذي يهدّدنا جميعًا، وهو خطر المكوث في قاعة الانتظار الحضاريّ.

 

لبيض :  لكن هناك مَن لا يزال يعزف على إيقاع التوافقات والمهادنات، ويجعل من الملاءمة بين الأصالة والمعاصرة سبيلًا إلى الانتقال بالمغرب إلى ضفّة الديمقراطيّة والحداثة. فهل ذلك ممكن، أستاذ أبو القاسم؟

سمير أبو القاسم: بدايةً عليّ أن أميّز بين دور المثقف في إثارة النقاش حول القضايا التي تهمّ العيشَ المشترك من جهة، واختياراته والتزاماته من جهة ثانية.

في إطار مسألة "العيش المشترك،" عليه أن يسير في اتجاه ترسيخ كلّ ما من شأنه أن يشكل قاسمًا مشتركًا بين عموم المواطنين. وبالتالي، فإنّ أهمّ مهامّ المثقف في هذه المرحلة: أولًا، التربية على ثقافة المواطنة، التي من خلالها يبني كلُّ فرد علاقته بالأفراد الآخرين، وعلاقته بالدولة وبمؤسّساتها، وبالمجتمع، وبالقوانين المتحكّمة في هذه العلاقات. ثانيًا: ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، باعتبارها منظومة القيم التي تشكّل قاعدة الارتكاز المشتركة، ليس بيننا نحن المغاربة فقط، بل بيننا كذات حضاريّة وبين غيرنا من الذوات الحضاريّة الأخرى أيضًا.

إنّ المثقف، والطبقة السياسيّة معه، لم يتمثّلا، بعدُ، طبيعةَ المرحلة التي نعيشها الآن. فتاريخ المغرب يتأسّس على مرحلتين أساسيتين: مرحلة صراع سياسيّ حادّ، ومرحلة ما بعد التوافقات التي أضحت معها المسألةُ السياسيّة تنافسًا سلميًّا. وللتاريخ نقول إنّ كلّ الفرقاء لم يكونوا ديمقراطيين، وذلك لسببٍ بسيط، وهو أنّ الثقافة الديمقراطية هي ثقافة جديدة علينا، وبالتالي فكلنا نحتاج إلى تمرين وترشيد سياسييْن وحقوقييْن من أجل المعالجة الصحيحة للبنية العلائقيّة والتفاعليّة فيما بيننا كمتنافسين سياسيين. وهنا يأتي دورُ المثقف في ترسيخ هذه الثقافة لجعلها قيمةً مركزيّةً في العمل السياسيّ والثقافيّ والميدانيّ.

 

لبيض: لكنّ المثقف ملتزم، غير أنه قد يخضع لمؤثّراتٍ آنيّةٍ تصرفه عن أهدافه الحقيقيّة.

أبو القاسم: أكيد لا يوجد مثقف غير ملتزم بقضية معيّنة. لكن المطبّ، كما أشرتم، هو أن يصبح الموقفُ السياسيّ المباشر بخصوص أحداث آنيّة لحظيّة هو ما يحدّد مسارَ تفكيره وتحليله وتأويله لبنية مرحلة كاملة من التاريخ.

 

لبيض: أشار الأخ عبد العالي مستور سابقًا إلى أنّ البعد الدينيّ في المجتمع قد يُقرأ اعتمادًا على اللحظيّ والآنيّ، المتمثل في مستوى الصراع السياسيّ بين التيّار التقدّميّ الحداثي والتيار المحافظ الدينيّ. فكيف للمثقف أن يقفز على تفاعلات محيطة ليُنتج قراءة للبعد الدينيّ ضمن أطر معرفيّة قد تكون غريبة عن ثقافة النخب، بل عن عموم الناس أيضًا؟

أبو القاسم: عندما يصرّح المثقف بما يؤمن به، وبما توصّل إليه من تأويلات عبر آليّات معرفيّة، فقد يجد نفسه في مواجهة مع المجتمع الذي يشكل الدينُ مكوّنًا من مكوّناته الهويّاتيّة والحضاريّة. أعتقد، في هذه الحالة، أنّ بإمكان المثقف أن يقترح أبوابًا كثيرةً للاجتهاد في المسألة الدينيّة، من دون الدخول في دوّامة الصراع مع المجتمع لأنّ ذلك لن يزيد المثقفُ إلّا اغترابًا عن مجتمعه.

لقراءة الجزء الأوّل اضغط هنا.

الدار البيضاء

اتّصل بنا من نحن دار الآداب