انتفاضة تشرين العراقية: هل خسرتْ إيرانُ العراقَ كشعب؟
21-11-2019

 

دأب كتّابٌ ومثقّفون عراقيّون، من الوطنيّين واليساريّين المناهضين للغرب الإمبرياليّ والكيان الصهيونيّ، ومنهم كاتبُ هذه السطور، على تكرار الموضوعة التي تفرِّق بين تدخّلاتٍ وهيمنةٍ إيرانيّة متصاعدة على القرار العراقيّ، وبين احتلالٍ أميركيّ مباشر وغير مباشر. وقد استتبع هذا التفريقُ موضوعاتٍ فرعيّةً، منها:

- أنّ الموقف الرافض للتدخّلات والهيمنة الإيرانيّة لا يعني معاداةَ إيران دولةً وشعبًا، ما دامت مستمرّةً في تبنّي (وتطبيق) مواقف جريئة وحازمة ضدّ الإمبرياليّات الغربيّة والكيان الصهيونيّ، وفي دعم حركات المقاومة العربيّة. ومن ثم رفض أولئك الكتّابُ والمثقّفون العراقيّون فرضَ الحصار التجويعيّ الأميركيّ على الشعب الإيرانيّ، والتهديدَ المستمرّ بشنّ الحرب على هذا البلد.

- أنّ الحرص على سلامة العلاقات بين البلديْن والشعبيْن يدعونا إلى مخالفة إيران في منطق حماية السلطة القائمة في العراق، وهي سلطة فاسدة وطائفيّة وتابعة للأجنبيّ. وهذا الأجنبيّ، ممثَّلًا في الاحتلال الأميركيّ، هو الذي أوصلها بالقوّة الغاشمة إلى الحكم، فنفّذتْ له مشروعَه الظالمَ لتدمير العراق وتفتيتِه ونهبِ ثرواته واستمرارِ تبعيّة دولته لأميركا سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا. وقد تكرّر القولُ مرّات إنّ قوّةَ العراق قوّةٌ لإيران، وإنّ ضعفَه ضعفٌ لها... حتّى إذا كان ضعفُه الراهن يعطي إيرانَ بعضَ المكاسب الهيمنيّة الموقّتة على حساب شعبه، وحتى إذا أدّى بقاءُ النظام الطائفيّ التابع في العراق - بحماية إيران إلى جانب الحماية الأميركيّة - إلى إضعاف العراق ووضعه على سكّةِ التقسيم والمجاعة والضمور دولةً وحضارةً وشعبًا!

 

إنّ قوّةَ العراق قوّةٌ لإيران، وإنّ ضعفَه ضعفٌ لها

 

- أنّ عداءَ الحركة الوطنيّة التقدّميّة العراقيّة، على الرغم من ضعفها وتشتّتها والتحاقِ بعض فصائلها بالنظام القائم، ينبغي أن يكون موجَّهًا إلى دولة الاحتلال الأميركيّ، من دون أن يعني ذلك السكوتَ على تدخّلات إيران وهيمنتها، وعلى تدخّلات دولٍ أخرى (ومنها تركيا) ووجودِها العسكريّ.

 

سياق الأحداث

تشي بعضُ الكتابات عن الحدث العراقيّ الدامي خلال شهر تشرين الأول (اكتوبر) من السنة الجارية بأنّه مفاجئ وغير متوقّع. وهذا غير صحيح، وتدحضه الانتفاضاتُ والتظاهراتُ التي حدثتْ خلال السنوات الثماني الماضية. فخلال هذه السنوات جرت الأحداثُ المهمّةُ الآتية:

- بعد سنوات المقاومة المسلّحة ضدّ الاحتلال الأميركيّ منذ سنة 2003 (وهذه لا علاقةَ لها بجرائم تنظيم القاعد وحلفائها ضدّ العراقيين)، اندلعتْ تظاهراتٌ واسعة في غالبيّة المحافظات العراقيّة في شباط 2011، بالتزامن مع "الربيع العربيّ." وقد قمعتْها حكومةُ المالكي قمعًا شديدًا، فقُتل وجُرح المئات. وبهذا، نشأت البيئةُ المناسبةُ للتمرّد التكفيريّ الداعشيّ بعد سنوات قليلة.

- تظاهرات أخرى في تمّوز 2015.

- تظاهرات واعتصامات سنة 2016 بلغتْ ذروتَها في الدخول إلى "المنطقة الخضراء" في  بغداد. وقد جرى قمعُها، ولكنْ ليس بقسوة القمع الذي قاده "رفيقُ الحرس القوميّ السابق" عادل عبد المهدي.

- سنة 2018 خرجت احتجاجاتٌ في عدّة محافظات في الجنوب والفرات الأوسط، أكثرُها جذريّةً وعنفًا كانت في محافظة البصرة. وقد قُمعتْ بقسوة.

- أما الانتفاضة الحاليّة، مطلعَ تشرين الأوّل من هذا العام 2019، فقد سقط فيها قرابة سبعة آلاف متظاهر سلميّ بين قتيل وجريح (بينهم 165 شهيدًا برصاص القنص الحكوميّ والمليشياويّ الرديف للحكومة).

 

رواية إيران وحلفائها للحدث الحاليّ

تركّزت الروايةُ الإيرانيّة التي كرّرها، مع إضافاتٍ كثيرة، حلفاؤها في الفصائل الإسلاميّة الشيعيّة الولائيّة (أي المتبنّية لنظريّة ولاية الفقيه)، على القول إنّ هناك مؤامرةً تحدُث في العراق. هذه المؤامرة، كما تقول الرواية، تقف وراءها جهاتٌ أجنبيّةٌ، في مقدّمتها الولاياتُ المتحدة والكيانُ الصهيونيّ والسعوديّة؛ وجهاتٌ داخليّة، منها بقايا حزب البعث؛ لإسقاط النظام، والإتيانِ بنظام صديق لواشنطن.

وفي التفاصيل، تقول هذه الرواية إنّ الجهات الأمنيّة رصدت اتصالاتٍ وتحرّكاتٍ للبدء بتظاهراتٍ واسعة، تكون مقدِّمةً لانقلابٍ عسكريّ يقوده جنرالٌ عسكريّ. والإشارة هنا لا تخفى إلى الجنرال عبد الوهّاب الساعدي، قائدِ قوّات جهاز مكافحة الإرهاب، ونائبِ رئيس الجهاز، وكان قد أُقصي من منصبه وأحيل على دائرة الإمرة في وزارة الدفاع قبل أسابيع قليلة من موجة التظاهرات التي أُغرقتْ بالدماء.

هذه الرواية هشّة تمامًا، وتفتقد إلى الصدقيّة:

- فأوّلًا، لا يمكن اعتبارُ التخطيط للقيام بتظاهرات سلميّة، ووضع موعدٍ محدّدٍ لها، جريمةً أو جنايةً أو دليلًا على وجود مؤامرةٍ ضدّ الدولة في جميع أنحاء العالم.

- أمّا ربطُها بقصّة الانقلاب العسكريّ، ثانيًا، فهي أكثرُ هشاشةً من التهمة ذاتها. فالجنرال المذكور التحق بموقعه العسكريّ الجديد، ولم تصدرْ عنه، لا قبلَ التظاهرات ولا بعدها، كلمةٌ واحدةٌ تؤيّد التظاهرات. ولا يمكن احتسابُ تعاطف بعض قطاعات الرأي العراقيّ العامّ معه (لكونه غيرَ منحازٍ طائفيًّا في نظرها) دليلًا على وجود أيّ علاقةٍ له بالحراك الشعبيّ؛ دع عنك أنّ المناطق التي تعاطفتْ معه ونصبتْ له تمثالًا في مدينة الموصل (أزالته السلطاتُ لاحقًا) لم تشهدْ قيامَ أيّ تظاهرة ضدّ النظام. أمّا التظاهرات التي شهدتْها مناطقُ الجنوب والوسط العراقيّ، فلم تُرفعْ فيها أيُّ صور له، أو شعاراتٌ مؤيّدةٌ له، أو غير ذلك. وأخيرًا، فهو نفسه لم يُتّهم رسميًّا بأيّ نيّة أو فعل للقيام بانقلاب عسكريّ، ولم يُعتقلْ أو يُتحفّظْ عليه، بل ما يزال حرًّا طليقًا يمارس عملَه، شأنه شأن رئيس الجهاز الجنرال طالب شغاتي.[1]

- وأمّا الاتهامات لبقايا حزب البعث، فليس هناك دليل واحد ملموس عليها داخل العراق، باستثناء تظاهرات واعتصامات صغيرة قامت بها الجالياتُ العراقيّةُ في الخارج، وشاركتْ فيها عناصرُ من اللاجئين البعثيين، إلى جانب عراقيين من مختلف الاتجاهات. ولا ندري كيف أمكن - بحسب الرواية الإيرانيّة والحكوميّة العراقيّة - حزبًا عاجزًا عن قيادة تظاهرةٍ صغيرةٍ في معاقله التقليديّة، غربَ العراق، أنْ "يقودَ" تظاهراتٍ كبرى في مناطق الجنوب والوسط، التي تعتبره عدوًّا بسبب الآلام التي ألحقها بملايين السكّان، وما تزال آثارُ شبكة مقابره الجماعيّة فيها قائمة حتّى اليوم!

 

ليس هناك دليل واحد ملموس على أنّ حزب البعث وراء المظاهرات

 

- وأخيرًا، فهل ثمّة دحضٌ لهذه الاتهامات، مجتمعةً، أقوى من حقيقة أنّ أقطابَ النظام نفسه تخلّوْا عنها، وفنّدوها عمليًّا، حين عمَّد رئيسُ مجلس الوزراء عادل عبد المهدي ضحايا التظاهرات شهداءَ يستحقّون التعويضَ، وأَعلن الحدادَ عليهم ثلاثةَ أيّام؟ وكان عبد المهدي، ورئيسُ الجمهوريّة برهم صالح، والمرجعيّةُ الدينيّة السيستانيّة، قد برّأوا ساحةَ المتظاهرين من هذه الافتراءات.[2]

 

قراءة أخرى

ثمّة أيضًا قراءةٌ مختلفة، غير موضوعيّة، للحدث العراقيّ. وهي تناقشه بطريقة مشابهة للطريقة التي يناقَش بها الوضعُ الطائفيُّ المتأصّل في لبنان. وعليه، فإنّها لا تأخذ في الاعتبار ما يأتي:

- أنّ الطائفيّة السياسيّة في لبنان واقعٌ قديم، في حين أنّها في العراق حالةٌ طارئةٌ فرضها الاحتلالُ الأميركيّ وحلفاؤه المحلّيّون بهدف تدمير العراق وتفتيتِه طائفيًّا وقوميًّا؛

- وأنّ الطائفيّة السياسيّة في العراق يمكن أن تزولَ بمجرّد زوال هيمنة الأحزاب الإسلاميّة الشيعيّة ورفعِ الحماية عنها؛

- وأنّ إيران الإسلاميّة الشيعيّة هي ضالّةُ الطائفيّة السياسيّة في العراق، استراتيجيًّا وإيديولوجيًّا. وقد قامت بحماية نظام العراق لأنّ حكّامَه أو المهيمنين عليه هم من الإسلاميين الشيعة، كما هي الحال في إيران.

ولقد كانت هناك مناسباتٌ تَسابق فيها السفيران الإيرانيّ والأميركيّ على إفشال أيّ مسعًى عراقيّ استقلاليّ. وهذا ما حدث مثلًا في نيسان 2014، في اعتصام الأغلبيّة البرلمانيّة، بهدف إسقاط الرئاسات الثلاث القائمة على أساس المحاصصة الطائفيّة. وقد تمّ إفشالُه فعلًا!

 

علاقة إيران بالحدث الحاليّ

اتّخذتْ إيران موقفًا معاديًا للحَراك الشعبيّ، ومحرِّضًا ضدّه، ومدافعًا عن النظام في العراق. فالمرشد الإيرانيّ خامنئي وصف التظاهراتِ في تغريدةٍ له بـ "التآمر الذي لن يبقى له أثر!" وفي اعتقادي أنّ هذا الموقف سينتهي بخسارة إيران للعراق كشعبٍ، وإلى زمنٍ غير منظور، وسيترك جرحًا غائرًا في العلاقة بين الشعبين الجاريْن.

وقد كرر كتّابٌ عربٌ وعراقيّون الاتهاماتِ السالفةَ الذكر، وزادوا على الطرفين الأميركيّ والإسرائيليّ تدخّلَ دولٍ أخرى كقطر والسعوديّة. لكنْ، على افتراض صحّة التحرّكات الأجنبيّة ضدّ النظام العراقيّ، ودعمًا للانتفاضة الشعبيّة، فإنّ من بين الأسئلة التي تطرح نفسَها ما يأتي:

- ما هي مسؤوليّةُ المتظاهرين العراقيين ولجانِهم التنسيقيّة عمّا تفعله دولٌ وقوًى خارجيّة؟

- وهل يمكن أنْ يؤكّد لنا أيٌّ كان وجودَ تأثير للقَطَريين والأتراك والأميركيّين والسعوديين والإماراتيين في الحدث العراقيّ الأخير؟

في الواقع كان الموقف الأميركيّ واضحًا في انحيازه للنظام، خصوصًا في تأكيدات وزير الخارجيّة الأميركيّ بومبيو، خلال اتصاله الهاتفيّ برئيس مجلس الوزراء العراقيّ عبد المهدي، في اليوم السادس للمذبحة، "قوّةَ وعمقَ العلاقات الاستراتيجيّة بين البلدين،" ولم تكن دماءُ شهداء التظاهرات قد جفّت بعدُ! فهل كانت واشنطن ستتأخّر أو تتهاون في التحرّك ضدّ النظام العراقيّ لو كانت لها أدنى علاقةٍ أو تعويلٍ على هذا الحراك الشعبيّ؟ أليس الأصحّ القول إنّها كانت مرعوبةً، مثلَ القيادة الإيرانيّة، من تصاعده واحتمال إطاحته بالنظام القائم؟

 

كان الموقف الأميركيّ واضحًا في انحيازه للنظام

 

الغائب الأكبر

وأخيرًا، فقد كان الغائبُ الأكبر في مداخلات الرفاق والزملاء العرب، من غير العراقيين، حول هذا الحدث الرهيب، التعبيرَ عن التضامن مع الشباب العراقيين السلميين، أو التعبيرَ في الحدّ الأدنى عن الأسف لسقوط هذا العدد الهائل من القتلى والجرحى خلال ستّة أيام! وفي هذا الغياب إشارةٌ قاتمةٌ إلى ما وصلتْ إليه القوى الديموقراطيّة والتقدّميّة العربيّة، وعمومُ الجماهير الشعبيّة، من تراجع تقاليد التضامن والدفاع عن تطلّعات الشعوب وحركتها الشعبيّة السلميّة.

 

مستقبل العلاقات العراقيّة - الإيرانيّة

إنّ العلاقات العراقيّة - الإيرانيّة قد تستمرّ لفترةٍ بالحميميّة القائمة حاليًّا بين نظامي البلديْن، بعد أنْ يتمّ احتواءُ الانتفاضة الشعبيّة الأخيرة وتداعياتها. ولكنّ الأكيد هو أنّ العلاقةَ بين الشعبيْن الجاريْن قد تعرّضتْ لرضوض وخروق جسيمة، ستترك آثارَها زمنًا طويلًا على نظرة العراقيين إلى إيران ودولتها. والأكيد أيضًا أنّ مَن يتحمّل مسؤوليّةَ ذلك هو النظام الإيرانيّ، بموقفه السلبيّ والتحريضيّ ضدّ انتفاضات العراقيين على نظام الحكم الفاسد في بلادهم.

إنّ خسارةَ إيران للعراق، كشعب، لن تشبهَ خسارتَها لأيّ شعبٍ آخر. وربّما تكون إيران، بذلك، قد خسرتْ نصفَ معركتها مع الغرب والكيان الصهيونيّ. بل قد تدفع بمواقفها هذه قطاعاتٍ واسعةً من الشباب العراقيين إلى مواقع الخصم مستقبلًا - - وهذه مسؤوليّة خطيرة ترقى إلى مستوى الخطيئة.

وحتى إذا لم يفلحْ أبناءُ الرافديْن في انتفاضتهم هذه في اقتلاع النظام المتحصِّن في "المنطقة الخضراء" ببغداد، وفي طرد القوّات الأجنبيّة الأميركيّة ومعها النفوذ الإيرانيّ، فإنّ المعركة ستتكرّر، وسينطلق الهجومُ الشعبيُّ السلميّ مجدّدًا بعد أشهر أو سنوات قليلة، وبصورة أشدّ قوّةً وحزمًا، لأنّ الأسباب التي أدّت إلى انتفاضة اكتوبر ما تزال قائمةً وتتفاقم سوءًا!

 

الطائفيّة السياسيّة بين لبنان والعراق

ثمّة فرق جوهريّ بين الحالة الطائفيّة السياسيّة الراسخة في لبنان قبل قيامه كدولة مستقلّة، وبين الطائفيّة السياسيّة في العراق المحتلّ أميركيًّا سنة 2003. فقد فُرضتْ هذه الطائفيّةُ كنظام حكمٍ فرضًا على المجتمع والدولة من قِبل الاحتلال الأمريكيّ وعملائه المحلّيين (والأدقّ، عملائه الذين جاء بهم معه من الخارج!). أمّا في لبنان فقد جرى اعتمادُ التوزيع الطائفيّ للسلطة في عهد الإمبراطوريّة العثمانيّة، منذ إنشاء منطقة جبل لبنان الإداريّة خلال القرن التاسع عشر، كما يخبرنا الباحث جوزيف باحوط،[3] "باعتبارها نواةَ لبنان الحديث... [وقد] تبنّى نظامُ الحكم الذي تمّ استحداثه بعد الحرب الأهلية في جبل لبنان في العام 1860، (المتصرفيّة)، الطوائف الدينيّة المختلفة باعتبارها أطرافًا سياسيّة فاعلة. وفي مرحلة ما بعد العام 1860، وتحت سلطة الوالي العثمانيّ المسيحيّ غير العربيّ المعروف باسم المتصرِّف، تمّ إنشاءُ مجلس إداريّ خُصِّصتْ فيه مقاعدُ للطوائف الدينيّة الستّ الرئيسة في جبل لبنان..."

إنّ وجهةَ النظر هذه لا تُسقط تمامًا واقعَ وجود الانقسام المجتمعيّ الدينيّ والطائفيّ في العراق، الذي هو أحدُ أقدم المجتمعات التعدّديّة والمتنوّعة، ولا تلغي وجودَ نزعة طائفيّة في فترات معيّنة في أوساط الحكم. ولكنّ النزعة الطائفيّة، والانقسامَ والتنوّع المجتمعيّين، في العراق شيء؛ والتنظيمَ الطائفيّ السياسيّ على مستوى الحكم في لبنان منذ القرن التاسع عشر شيء آخر ومختلفٌ في العمق والنوع الاجتماعيّ.

وعمومًا، سواءٌ تعلّق الأمرُ بالطائفيّة السياسيّة الراسخة في لبنان، أو بنسختها الطارئة والمفروضة من قِبل الاحتلال الأميركيّ وعملائه في العراق، فإنّ عدمَ جعل الطائفيّة السياسيّة هدفًا أوّل للحراك الشعبيّ بهدف إزالتها (وتغييرِ النظام ببديلٍ يقوم على أساس دولة المواطنة الحديثة والمساواة بين المواطنين وفصلِ الأديان والمذاهب عن تنظيم الدولة وعن إدارتها) لا يعني سوى قفزةٍ في حلقة مفرغة، وعودةٍ أكيدةٍ إلى النظام الطائفيّ الذي سبق هذا الحراك!

 

خلاصة

تتحمّل طهران مسؤوليّةً ضخمةً عمّا لحق بالعلاقات بين الشعبين العراقيّ والإيرانيّ من ضررٍ بالغٍ، تحوَّلَ إلى عداءٍ لإيران في الشارع العراقيّ المنتفض اليوم.

وهذا العداء لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلةُ تراكمتْ طول السنوات الماضية، عملتْ خلالها إيرانُ مع دولة الاحتلال الأميركيّ على حماية نظام المحاصصة الطائفيّة وأحزابِه وقادتِه، وتدخّلتْ تدخّلًا مباشرًا في مناسباتٍ عديدةٍ لحماية هذا النظام على ما ذكرنا.

ودافعُ كلِّ ما جرى ويجري اليوم هو الأنانيّة القوميّة والطائفيّة، والخطأ الاستراتيجيّ لحكّام إيران. وهو ما جعلهم يؤْثرون خيارَ إبقاء العراق ضعيفًا مضمَّخًا بدماء أبنائه على عراق قويّ ومستقلّ ذي سيادة. فخسروا، بذلك، لعبةَ التاريخ والجغرافيا!

جنيف


[1]  شكّلتْ القوّاتُ الأميركيّة هذا الجهازَ ودرّبتْه، وسلّحتْه خلال سنوات الاحتلال الأولى، في حين لا يزال الجنرال طالب شغاتي ذو الجنسيّة الأميركيّة يرأس الجهاز.

[2]  قال عبد المهدي في خطابه الذي أعلن فيه الحدادَ على آلاف الشباب: "وفقًا لمعطياتنا الراهنة، لا نتّهم أيَّ دولةٍ تربطنا بها علاقاتُ صداقةٍ أو تعاون، ولا أيَّ قوّة سياسيّة معروفة أو أحزاب أو وسائل إعلام؛ فهذه كلّها لها مصلحةٌ باستمرار الهدوء والاستقرار في البلاد والحفاظ على أمننا ونظامنا السياسيّ." أمّا رئيس الجمهوريّة برهم صالح، فقد قال قبله بيومين: "إنّ من أطلق النار على المتظاهرين خارجون على القانون وأعداء للعراق!" راجع:

 https://al-akhbar.com/Opinion/277977

[3]  جوزيف باحوط، "تفكّك اتفاق الطائف في لبنان: حدود تقاسم السلطة على أساس الطائفة،" مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 16 أيّار/مايو 2016.

علاء اللامي

 

كاتب عراقيّ يقيم في سويسرا. له العديد من المؤلَّفات في الأدب والبحث العلميّ في التاريخ والتراث واللغة، منها: دليل التنشيز، سيرة اليمامة البابليّة (شعر)، قصائد حب باتجاه البحر (شعر أجنبيّ مترجم)، إيجابيّات الطاعون (نصوص مسرحيّة)، نصوص مضادّة دفاعًا عن العراق، نقد المثلّث الأسود (مقالات)، السرطان المقدّس: الظاهرة الطائفيّة في العراق من المتوكّل العباسيّ إلى بوش الأمريكيّ (دراسات)، المبسَّط في النحو والإملاء (لغة)، موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربيّ الإسلاميّ (تاريخ)، نقد الجغرافيا التوراتيّة خارج فلسطين (تاريخ).