باقٍ في قلبي النابض بحبّك
29-03-2019

 

صامتٌ هادر، غائبٌ حاضر، عنيدٌ ليّن، مزاجيٌّ "هَنيّ،"* غاضبٌ مرح، شامخٌ متواضع، صلبٌ مرِن، قاسٍ حنون، غنيٌّ فقير: أضدادٌ متى اجتمعتْ في واحدٍ، أظهر للضدِّ حسنَه الضدُّ. هو ماهر، أو "هادا ماهر" كما يسلّم كلُّ مَن يعرفه. وهكذا أحببتُ ماهرًا، وهكذا أدهشني، فأمضيتُ أروعَ سنوات عمري معه وأنا لا أكفُّ عن الدهشة.

في كلّ لقاءٍ لي معه دهشةٌ، تليها ابتسامةٌ أو ضحكةٌ أو قرصةُ خدٍّ وكلمةُ "يُقْبُششش" تعبِّر عن جنوني بحبّه. فهو يَعرف، مثلًا، أصلَ وفصلَ أيٍّ عسكريٍّ (أو مدنيّ) أقلَّه بسيّارته في طريقٍ مقطوعة. ويَعرف أصلَ أيِّ شابٍّ قد يصادفه عند أصدقائي ("أنت مش إبن فلان وفلانة؟"). ويَعرف كم فنجانَ قهوةٍ يُعَدُّ بكيلو من البنّ، أو يعرف "الأكْلِه" المفضّلة عند هذا أو ذاك. وهو يعرف، بلمحةٍ من عينيْه الصّقريّتيْن الثاقبتَي النّظر، ما تختزن هذه المرأةُ من حزنٍ على الرغم من مرحها، وذلك الرّجلُ من همومٍ على الرغم من كبريائه. ويعرف، غيرَ ذلك، الكثيرَ الكثيرَ ممّا لا يعرفه المقرَّبون من ماهر أنفسُهم.

***

هذا الماهر جمعتْني به "القضيِّه." فنحن، عاشقَيْ فلسطين أبدًا، ملأْنا "بِيتْنا" وزينّاه بكلّ جميلٍ منها. ولطالما أسعَدَنا أن نَشرحَ للأصدقاء والزائرين لوحةً معلَّقةً ملأى بالقُطَب الفلسطينيّة لفساتين النِّساء، أو أخرى لحدود فلسطين وقُراها ومدنها، أو لوحةً ثالثةً بريشة أخيه "برهان" تَحمل من المعاني والتُّراث ما تحمل.

"بِيتْنا" الجميل فيه مكتبةٌ ضخمة، اختار ماهر كُتُبَها بعناية: فهو القارئُ النّهم، والناقدُ الفذّ، والمثقّفُ العارفُ بمحتواها، وبما يَلزم كلَّ شابٍّ أو صبيّةٍ أو رجلٍ أو امرأة. فتراه - بعد حوار بسيط - يتّجه إلى تلك المكتبة ليختارَ منها هديّةً لكلٍّ منهم حسب حاجته. فأشدُّ ما كان يُغضبه: الجهلُ.

جارُنا تعلّم المطالعةَ على يد ماهر، إذ كان يُقْنعه بأهميّة القراءة لـ"يِعْرِفْ." وكم من مرّةٍ عبّر هذا الجارُ عن تحوّل حياته وشخصيّته ومفاهيمِه بسبب القراءة، وبفضل "الاستاذ ماهر" كما يناديه.

***

 

هذا الماهر جمعتْني به "القضيِّه."

 

لستُ أدري كيف كان ماهر يتسلّل إلى قلوب الناس في الهرمل، وكيف كان يُنشئ علاقاتِه بمختلف الفئات. كان يُدهشني حين يَحمل التبغَ العربيّ إلى صاحب المقهى حيث اعتاد صيدَ السّمَك على ضفاف العاصي، وإلى جارٍ ما خطر لي يومًا أنّ ماهر يعرف نوعَ دخانه إذ لم يزرْنا أو نزرْه قطّ؛ أمّا الحصّة الكبيرة من ذلك التبغ فلـ"أبو كِنِّتْنا السُودا."

وكان يُدهشني حين يُهدي الشَّيخ فلانًا كتابًا جريئًا يفتح آفاقًا لحوارٍ مذهل؛ أو حين يزور نائبًا يختلف معه في المبدأ أو العقيدة، لكنّهما يتّفقان على علاقة مبنيّة على الاحترام والمودّة العميقة؛ أو حين يقصده أحدُ الشبّان النازحين في خدمةٍ أو رغبةً في النقاش والأنس. فماهر لطيفٌ، وكريمٌ، وخفيفُ الرّوح، وسريعُ النّكتة. وهو خزّانُ معلوماتٍ لا ينضب، يقصده المثقّفون والمتعلّمون والرّاغبون في المعرفة والجيرانُ والأصدقاءُ والأهل.

***

الجميع كان ينتظر ماهرًا:

- أخي ينتظره ليرافقَه في رحلةٍ لصيد السّمك. وما كان أشدَّ فرحَه حين يصطاد "بُنِّيِّة"! كان يدخل البيت مهلِّلاً: "حبيبتي، صِدْتِلِّكْ بُنّيِّة!"

- والأصحاب ينتظرونه لسهرةٍ لطيفةٍ يتخلّلها حوارٌ هادئ، يقْطعه ماهر بشكلٍ مفاجئ: "فَتّيْناها؟" فتنعقد حلقةٌ للعب الورق على إيقاع ضحكته المتقطّعة، إذا لاحت خسارتُه، ينفخُها مع دخان سيجارته الملتصقة بشفتيه.

- أمّا "خَوَاتي" البَنات، فكنّ يفرحن حين يدعوهنّ إلى الغداء لـ"يُوْكلوا صِيّادِيّه" أو "لوبيا طرابُلسيّه،" ثمّ ليتحدّثن عن شؤونهنّ وشجونهنّ، فيخفّف عنهنّ وهو يطالبهنّ بالتفاﺅل، شارحًا واقعَ الحياة، أو ممازحًا إحداهنّ بقوله: "ما مَالِكْ إِشِي، هِيْدي صِيْبِة عِيْن."

- حتى "فرح" الصغيرة، التي لم تكن تحبّه لأنّه اختطفني منها، عرف كيف يمتلك قلبَها: برحلاتٍ إلى البحر، صارت بعدها  "تسبح كالحوت" على حدّ تعبيره؛ أو بقوله "ما في أحلى مِنِّكْ صَبيِّة"؛ أو بقجّةٍ يملأُها قِطعًا نقديّةً صغيرةً، وكثيرًا ما كان يفاجئها بقِطع كبيرة لتفرح وتشتري ما يحلو لها.

***

لكنْ، على الرغم من مرح ماهر وأريحيّته وهدوئه، فقد كان ذا صراطٍ يمانيٍّ مستقيم، حين يتعلّق الأمرُ بفلسطين. هنا، لا تخاذُل، ولا هوادة، مع المنحرفين، أو مع مدوِّري الزوايا. صلبٌ حدّ الكسر والقطيعة مع كلّ مَن يتعاطى بمنطق "الغاية تبرّر الوسيلة." فهو يرى أنّ على الوسيلة والغاية أن تكونا ساميتيْن، شريفتيْن، متّحدتيْن مع العقليّة الأخلاقيّة، المتمثّلة في الوفاء والصدق والشجاعة والصبر والثبات والاستمرار والتضحية والإيمان الكلّيّ بالقضيّة. فإذا وُجد ذلك كلُّه، فإنّ النصر والعودة حتميّان كما بزوغُ الفجر غدًا بعد ظلام دامس.

***

 

ماهر - الأسدُ الهمام - ما ارتضى لجسده يومًا أن يكون عاجزًا، واهنًا، يُعوّقه عن العمل

 

ماهر - الأسدُ الهمام - ما ارتضى لجسده يومًا أن يكون عاجزًا، واهنًا، يُعوّقه عن العمل. فآثرتْ روحُه التخلّي عن ذلك الجسد، لتحلّقَ في فضاءٍ أرحبَ، تحيط من عليائها بالرّفاق في غزّة، والقدس، ورام الله، والشام، وصور، وبيروت، وطرابلس، وفي كلّ مكانٍ هدرتْ خبطةُ قدميْه، فأزهرتْ زيتونًا وصعترًا.

ماهر، المناضل المعلّم القائد الصامد، باقٍ في كلِّ مَن عرفه وأحبّه واحترمه وأدهشه وحَنا عليه.

ماهر الاجتماعيّ، الخفيفُ الظلّ، السريعُ البديهة، باقٍ ليمازح الحاجّ علي ويستفزَّه في أمور الدِّين والدُّنيا.

باقٍ كي يتحيّز للحاجّة فاطمة، مشاكسًا مَن تبالغ في الاهتمام بشكلها الخارجيّ، يحضُّها على العناية بعقلها؛ فهذا هو مُعينها على مواجهة مصاعب الحياة.

باقٍ ليحفّز الشبابَ والصبايا على التعلّم والتطور في العمل.

باقٍ ليستمتعَ بمحادثة العارفين والعارفات، والمثقّفين والمثقّفات، وخصوصًا المنخرطون في العمل السياسيّ أو الاجتماعيّ. ولطالما ساندني وأرشدني في هذا المجال، حتّى علّمني في السنوات الثلاث عشرة التي قضيناها معًا من فنون الحياة ما لم تستطع أن تعلّمني إيّاه الحياةُ عينُها خلال الأعوام الثلاثة والأربعين من عمرٍ مضى.

باقٍ في "جْنِيْنِتْنا" لـ"يِفْحَر" الأرضَ ويزرعَها خضارًا وأشجارًا مثمرة، و ليوزّعَ غلالَها على الأهل والأصدقاء.

سأستيقظ كلَّ صباح لأراه يجلس على كرسيّه، بين العمود والطاولة، يقرأ وقد ملأ "المْكَتِّة" بأعقاب السجائر، وسيرفع يدَه مرحِّبًا: "يِسْعِدْ هالصباح الرَباح يا بِنْت النّاس المْلاح، إِعْمَلي لَجُوْزِك قهوة." وسأجيبُه ساخرةً: "حاضرة يا إبن عمّي." وعلى أنغام زياد، وصوت فيروز، سيتمايل ماهر ويغنّي: "سلّملي عليه وقلّو إنّي ببوِّسْ عينيه." ثمّ سنجلس على شرفة المنزل، فيَسْتلهم من الشمس الساطعة والغيومِ المتناثرة وأوراقِ الشجر وياسمينةِ الدار كلماتٍ يَنْظمُها شعرًا عشوائيًّا لا يلقى صداه إلّا في قلبي النابضِ دائمًا بحبّه، وسأضحك ليقولَ لي: "إي اضْحَكي، دخيل هالضِحْكِة أنا، بَفْرَح وقت بَفَرْحِكْ!"

الهرمل

 

* ملاحظة: الكلمات التي وُضعتْ بين مزدوجين هي ألفاظُ ماهر، بلهجته الفلسطينيّة المحبّبة.

زينب شمس

مواليد الهرمل، لبنان. حازت إجازةً في الفلسفة العامّة. مدرّسة متقاعدة. ناشطة اجتماعيًّا وسياسيًّا. اقترنتْ بالقائد الفلسطينيّ العربيّ الراحل ماهر اليماني في 4/9/2005.