بكلِّ ما أوتيتُ من ذكرى
15-05-2018

 

أنا، الآن وهنا، أعرف معنى أن تكون ورقةً في مهبّ الريح. أن تحيا بنصفِ وعيٍ، ونصفِ رغبةٍ، ونصفِ هويّة. فأنت ممنوع من أن تعي تمامًا، لأنّك ممنوعٌ من القرار الذي سيَنْتج من وعيك التامّ. ولأنّك، كفلسطينيّ، يُخشى أن تزداد رغبةً في الحياة، فأنت مطرودٌ من ممالك الآخرين، وبات حصنُك الداخليّ عشَّ دبابيرَ يُدميكَ الاقترابُ منه.

أنت، كفلسطينيّ، تتنازعكَ قوّتان:

ــــ هويّةُ المكان الذي تقيم فيه الآن، ولك فيه أحبابٌ وذكريات؛

ــــ وجذورُك الممتدّةُ نحو قريةٍ بعيدةٍ وصغيرة، خطفها إلهٌ جاء على حصان الدِّين، وكبّل يدَي الله، وصلبَكَ وحيدًا على خشبة التاريخ.

أنا، الآن وهنا، أحيا على مسافةٍ سحيقةٍ ممّا هو حولي، وأتعثّر يوميًّا بالهوّة التي حفرها الآخرون. في لبنان، كان عليّ أن أموتَ سبعين سنةً كلَّ يوم، كي أكفّر عن "خطيئة" تهجير الصهاينة لأجدادي عام ثمانية وأربعين. وما نسمعه من تصريحاتِ بعض السياسيين والمسؤولين اللبنانيين يشرعن التمييزَ والتهميشَ اللذين يمارَسان على الفلسطينيّ في لبنان منذ سبعين عامًا.

أنا، الآن وهنا، على بعد متريْن من بيتٍ بناه أبي في صيدا، في جنوب لبنان، ولا أملكُه. ولا أملك أن أفهم: أكنّا أغبياءَ، كفلسطينيين، حين ظننّا أنّ تملُّكَنا عقارًا في غير بلادنا سيجعلنا جديرين باحترام الآخر، أو أنّ لنا حقًّا في أن يكون لنا بيتٌ يؤوينا آخرَ النهار ــ ــ لا سقفٌ من صفيحٍ، أو خيمةٌ في العراء؟ لا أفهم في هذا الحاضر، الآخذِ في إقصائنا بتمعّن، كيف أهدر بعضُنا أموالَه لشراء بيوتٍ لن يكون له الحقُّ القانونيّ في أن يملكَها أصلًا،(1) ولم يفكّر يومًا في الإسهام في شراء رصاصةٍ تحمي صدرًا عاريًا يركض في شوارع غزّة ويرشق دبّابةً بغضبه.

أنا، الآن وهنا، شاهدُ زورٍ في مسرحيّة البحث عن الحقيقة. وهنا المشهد العامّ في هذه المسرحيّة:

بيوتٌ متجاورة صغيرة. أروقةٌ ضيّقة. شبابيكُ متلاصقة، جدرانٌ عليها كتاباتُ تنظيماتٍ وفصائل. شبابٌ يقفون ببلاهةٍ على جانبيْ شارعٍ لا يصلح لعبور عربةِ حنطور، ولكنّه يغصّ بالسيّارات والشتائم والنِّسوة الحوامل. بعضُهم يمسك سلاحًا وشعرُه يتدلّى على كتفيْه، وبعضُهم يبيع الممنوعات، وبعضُهم تسلّل من مدرسته. عرباتُ خضار. روائحُ مجارير متفشّية كالجرب. مُصلًّى صغير يرتاده شيخٌ وأتباعُه المدجَّجون بالجهل والسلاح والفقر.

الوقت ظهيرةُ يومٍ عاديّ. تتوقّف عربةُ خضارٍ لتشتري منها امرأةٌ تأخّرتْ طبختُها لأنّ جرّةَ الغاز قد فرغتْ، فقصدتْ بيتَ أمّها كي تنهي طبختها. يملّ سائقٌ تأخّرَ راكبُه لأنّ حواجز الجيش اللبنانيّ تشدِّد إجراءاتها على مداخل المخيّم. يصرخ السائقُ المستعجِل، فيصرخ صاحبُ العربة المستعجِل. يسمعهما المدجَّحون بالسلاح والمخدِّرات والفقر، فيرمي أحدُهم بقنبلةٍ ليُسكت الهرجَ الحاصل. تشتعل حربٌ غبيّة، فتموت طفلةٌ عائدةٌ إلى البيت، وتطير حقيبتُها الورديّة. يرتفع جدارٌ رسميّ لبنانيّ حول مخيّم عين الحلوة، أعلى من صوت خطيب الجمعة. يعمّ الظلام.

أنا، الآن وهنا، أقف في طابور طويل على باب وكالة الغوث (الأونروا)، أخشى أن أفتحَ عينيّ على واقعِ أنّي مصابةٌ بموتٍ سريريّ؛ فأنا لا أعمل (2)، ولا أعترض على أيّ تقصير من الأمم التي اتّحدت على ظلمي منذ سبعين سنةً، وتتّحد على قتلي بكلّ وسائل الحياة الممكنة كلَّ يوم. أشهد صراعاتٍ خبطَ عشواءَ لقياداتٍ متناحرةٍ تقود عربةَ الهيكل الفلسطينيّ وهي ميّتةُ الروح، خاويةٌ من وقود الفداء. أحتفلُ بأعياد ميلاد كلّ إخوتي العرب، ولكنْ حين أدعوهم إلى ميلادي يرسلون إليَّ علبَ هدايا... فارغة.

أنا، الآن وهنا، فلسطينيّةٌ بكلِّ ما أوتيتُ من ذكرى ومن ضياع. أشهد على تمسّكي بحقّي في العودة إلى وطنٍ مُحي من خرائط الجغرافيا، واستُبدل بأسطورة. تلملمني أغنيةٌ كانت جدّتي تهدهد فيها حنينَها إليه. تُشْعلني مسيراتُ العودة، فأركض نحوه طيرًا أو حصاةً.

صيدا

(1)  ملاحظة الآداب: بموجب القانون اللبنانيّ رقم 296،  يُمنع اللاجئ الفلسطينيّ المقيم في لبنان منذ ما يزيد عن خمسين عامًا من تملّك العقارات والشقق السكنيّة إلّا بأذن خاصّ من مجلس الوزراء اللبنانيّ , راجع: https://bit.ly/2K4Bk5U

(2)https://bit.ly/2Ih18OZ

 

 

 

 

وداد طه

روائيّة فلسطينيّة. تعمل في حقل التعليم. تحضّر أطروحةَ دكتوراه في الأدب العربيّ. لها ثلاثُ روايات منشورة: ليمونةان، أخون نفسي، حرير مريم. ولها عدّة مقالات ومراجعات نقديّة في الرواية، بالإضافة إلى عدد من القصص القصيرة المنشورة في صحف ومجلات عربيّة.