Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

"مضايا" الفايسبوك: إعلامُ الجمل والزرافة!

موقف

 

كارتقاء ظهرِ جَملٍ سارت أمورُ الإعلام مع السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي، وانبهر الجميعُ بتطوّر تقنيّات البثّ المباشر، وصدح الجميع: "لم يعد أحدٌ قادرًا على الكذب علينا! لم يعد أحدٌ قادرًا على إخفاء الحقيقة/ الجريمة." تصاعدت الآمال، ودخلت الكمبيوتراتُ والإنترنت إلى الميدان، فاعتقدنا أنّنا على رقبة زرافة الإله، التي لا ينتهي ارتقاؤها. حتّى جاء أيلولُ نيويورك، وشاهدْنا البرجيْن ينهاران، ومعهما رقبة الزرافة تنحني وتصير جملًا يلوك ما يجترّه.

عندما وقف كولن باول واستحضر كلَّ ما كنّا نعدّه حبلَ خلاصنا من الكذب (البثّ المباشر، الأقمار الصناعيّة، مراكز تحليل الصور...)، لم نكن نعرف أنّه يدمّر وهمَ الصدق والصدقيّة، ويدوس على تلك الوسائل، ويلوكها كجملٍ أرعن. ومع دخول أوّل جنديّ أميركيّ إلى بغداد، وتغطيته وجهَ تمثال صدّام حسين بعَلَمه، كانت الصدقيّة الإعلاميّة قد أنهت مسيرَها فوق ظهر الجمل: فبعد ارتقائها أوّلًا، ووصولها أعلى السنم، بدأت النزولَ حتى بلغتْ ذنبَ الجمل. وجاء دخولُ وسائل التلاعب بالصور، وتحويرُ الفيديوهات، ليجعل ذنب الجمل إلهيًّا أيضًا، لا قرار له.

***

هل هناك مجاعةٌ في مضايا أمْ لا؟

في عالم الفايسبوك يتساقط الناسُ على الأرض جوعًا، أو يخرجون في نزهاتٍ لا يشوبها إلاّ الانزعاجُ من الـ"إرهابيين." وفي عالم الفايسبوك يعلو الزعيق: "لَمْ تتضامن مع الضحايا يا شبّيح؟"..."أنت تستهدف المقاومة يا مياوم بالريال والدينار!"...

في عالم الفايسبوك تُهدَر إنسانيّتنا. يحشرك أحدُهم إلى الحائط، ويلوّحُ بقبضته في وجهك إذا لم تزعقْ مثله، أو إذا لم تغيّْر صورةَ صفحتك، ولم تنشر الصورَ ذاتها التي اُثبتَ زيفُها. ليس التفكير مطلوبًا! ازعقْ، وصِحْ، وادخلْ في الضجيج.

في عالم الفايسبوك، عالمِ الافتراض الذي نلجأ إليه من واقعنا، لا يتذكّر أحدٌ كولن باول، وصوتَه الواثقَ وهو يشرح ــــــ كمدرّسٍ فاشل لطلبةٍ أفشل ــــــ كيف يصير صهريجُ الماء مفاعلًا ذرّيًّا، وكوخُ التمر معملًا سرّيًّا يقوّض العالم.

"هناك جوعٌ في مضايا،" يصرخ فريقٌ من الفسابكة، وهم يدعونك إلى تصديق الصور. ماذا عن الحقائق؟ الحقائق تقول إنّ قافلةَ مساعدات دخلتْ مضايا في 18 تشرين الأول، لكنّ الصور ترينا أطفالًا يحتاجون إلى وقتٍ أطول من شهريْن ونصف الشهر ليصيروا هياكلَ عظميّةً متنقّلةً "غبّ الطلب." وتسألهم لماذا معظمُ الصور لأناسٍ في ثيابٍ صيفيّة، فيردّون: "شبّيح، مع النظام،" و"هناك جوع، اخرسْ يا بلا أخلاق!". وحين تسألهم: "لماذا أفقتم اليوم يا جماعة الخير؟ أين كنتم من قبل؟ لماذا تسيرون كما تسير محطّاتٌ تلفزيونيّة معيّنة؟ ولماذا حصرتم اهتمامَكم بمضايا دون غيرها من المآسي الكثيرة في سوريا؟" يعلو زعيقُهم في وجهك مجدّدًا.

في المقابل، عليك أن تصدّق مع الآخرين أنّ "الدنيا ربيع والجوّ بديع" في مضايا؛ وأنّ كلّ ما تسمعه وتقرأه وتراه فبركاتٌ في فبركات. لكنْ هل تقاريرُ "أطبّاء بلا حدود" بلا معنى؟ وهل الصليب الأحمر الدوليّ عميل وتكفيريّ؟ حسنًا، لكنْ ألا يعني نفيُكم وجودَ جوعٍ في مضايا، بسبب دخول مساعدات في تشرين الأوّل، أنّ الحصار مفروض فعلًا؟ وصحيح أنّ هناك تزويرًا في بعض الصور والفيديوهات، لكنْ لا يمكن أن يقنعَكَ أحدٌ بأنّ مراسل قناة المنار دخل مضايا المحاصرة، وأجرى مقابلاتٍ مع الناس في داخلها، وأنّهم قالوا له إنّهم جائعون بسبب المسلّحين، فيما يجهد ذلك الأحدُ كي يقنع الناسَ بأنْ لا حصار ولا جوع في مضايا!

الجوع موجود، والحصار موجود، وإنكارُ ذلك يعني إنكارًا لإنسانيّتنا. مَن المتسبّب في ذلك؟ هذا نقاش ضروريّ، لكنْ بعد إزالة المعاناة. قبل ذلك لا يكون هذا النقاشُ إلّا ترفًا واستعمالًا له من أجل غايات بعيدة عن مساعدة المتضرّرين: هذا ما تُقرّه بقايا إنسانيّتنا المستنزفة.

يصير الأمر تلاعبًا بإنسانيّتنا من الطرفين. إنّه أشبهُ بمن يرمي الأطفالَ والنساءَ والعجائز كي يتسوّلوا في طرق بيروت اليوم: فأنت لا تصدّق معاناتهم لأنك تدرك جيّدًا أنّ زعماءَ "مافيات التسوّل" يوزّعونهم صباحًا ليستنزفوا أموالك. لكنْ ماذا لو أنّ طفلًا منهم كان جائعًا حقًّا؟ لقد خسر هذا الطفلُ تعاطفَك لأنّ هنالك مَن يستنزف هذا التعاطف ويسيّله مصالحَ له. وحتّى يصل إلى غايته لا يعنيه البتّة أنّه يدمّر إنسانيّتك.

الإعلام "الـكولنباوليّ" لا يطاول الناس حقيقةً، ولا تهمّه مأساةُ الناس إلاّ أن أمكنه استغلالها. ولا ضير إنْ كان الناس يموتون حقيقةً؛ فللكلّ راياتُه المقدّسة التي لا مانع من أن يسيل الدم من أجلها.

كلّ الزعيق، والزعيق المضادّ، استنزافٌ لا طائل منه: فمضايا محاصرة، وهذا غيرُ جائز. لكنّ مضايا، كقرًى أخرى محاصرة، لم تنل "حظوةَ" الزعيق. لا بل إنّ مضايا كسوريا كلّها: الناس، حقيقةً، يموتون بصمت، فيما المتقاتلون يرفعون شاراتِ النصر.

الإعلام "الـكولنباوليّ" لا يطاول الناس حقيقةً، ولا تهمّه مأساةُ الناس إلاّ أن أمكنه استغلالها. ولا ضير إنْ كان الناس يموتون حقيقةً؛ فللكلّ راياتُه المقدّسة التي لا مانع من أن يسيل الدم من أجلها. وعوضًا من أن ينقلنا الإعلام  ـــــــــــ كما أملنا ـــــــــــــــ على رقبة زرافة ليرتقي صعودًا دائمًا إلى الحقيقة، نراه ينحدر بسرعةٍ هائلةٍ على طرف ظهرِ جملٍ إلى قاع القاع، مستعملًا آخر منجزات التكنولوجيا.

أنقذوا مضايا، والفوعة، والغوطة، وكلّ حلب، وكلّ الفلاحين، وكلّ السوريين الذين أهدرتْ حياتُهم بين نظامٍ "رسميّ" استبداديّ عفن، ومعارضةٍ "مكرّسة" مسلّحة لا تقلّ استبدادًا وعفونةً.

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب