منمنمات هامشية: الشارع في زمن الانتفاضة في لبنان
09-11-2019

 

لينين يرقص في الشارع

يضحكون على الناس إذ ترقص في الشوارع. "ليست انتفاضةً إنْ كانت الناس ترقص،" يقولون.

والحقّ أنّها انتفاضةٌ لأنّ الناسَ ترقص في الشوارع.

في أيّامنا العاديّة، التعيسةِ منها والأقلِّ تعاسةً، غالبًا ما لا نرقص. في أيّامنا العاديّة، نغسل، نطهو، نكنس، نعملُ خارج المنزل، نربّي الأطفالَ، نركض هربًا من المشاكلِ والديونِ ونظراتِ الجار العابسة، ندخلُ المستشفيات، نمرض، نبكي أقلَّ ممّا يجب، نموِّن الحزنَ في أوراقِ الدخان الناشفة، ننفثُها في وجه المدينة، علّ ذلك الحزنَ يخرج منّا يومًا.

أيّامُنا، في مدنِ الزفت ودخانِ السيّارات، تعيسةٌ جدًّا. ليالينا في قُرى العمامات والمسابح باردةٌ، ميّتةٌ، كخبزٍ ناشفٍ لم يبقَ غيرُه على الطاولة، فنتقاسمُه مع النمل. لا يفارقُنا، عند كلِّ صباح، شعورُ الكوب البلاستيكيّ، الذي فرغ من العصير للتوّ، ولم تعدْ له أيُّ وظيفةٍ في الحياة! ما مرّ به فقراءُ المدن ومنبوذو القرى والمعطَّلون عن العمل في كلّ المناطق، خلال السنين الأخيرة هذه، يتخطّى القدرةَ على التحمّل. حياةٌ غيرُ عاديّةٍ هي، لكنّها تأخذ شكلَ "العاديّ"! قهرٌ لا يجد تجلِّياتِه في الاقتصاديّ وحده، بل يتسلّل نحو الاجتماعيّ والدينيّ والسياسيّ أيضًا. أنتِ لا تجدين قوتَ يومِكِ، غير أنّكِ تُجْبَرين على دفع الأقساط إلى المصارف والمدارس، ودفعِ الإيجار إلى صاحب المنزل، ودفعِ كلفة زيارات المستشفى. وبعد ذلك كلِّه يقول لكِ المجتمعُ والدِّينُ والزعيمُ "إنّكِ لا تكدحين بشكلٍ كافٍ،" أو "إنّ مِن حقّ ربّ العمل ومالكِ المنزل وصاحبِ المستشفى والمدرسة أن يفرضوا عليكِ شروطَهم لأنّنا نعيشُ في سوقٍ حرّة." لقد كان القهرُ اليوميُّ هو الحاجزَ بين الناس من جهة، والحياةِ العاديّةِ من جهةٍ أخرى - - بما فيها من بكاءٍ وضحكٍ وغناءٍ ورقص.

في أيّامنا تلك، لم تكن لدينا أوقاتٌ للفرح أو الرقصِ أو الغناءِ، أو حتى البكاء. تلك الأيّام جعلتْ من الأشخاص العاديّين وحيدَيْ قرنٍ، يُشْبهون أبطالَ مسرحيّة أوجين إيونيسكو. سكتْنا عن القهر والظلمِ والقمعِ الخفيّ، وكنّا نموت شيئًا فشيئًا لنصبحَ جزءًا من قطيعِ وحيدِي قرنٍ كارهين للناس والحياة.

لكنْ، منذ الأيّام الأولى للانتفاضة هذه، وحتى اليوم، راح الناسُ يبكون في الشوارع ويرقصون. لقد أعادتنا الانتفاضةُ بشرًا، ففعلنا ما يفعلُه البشر: رقصنا!

 

الكلمة للشعب، الشارعُ للشعب!

تتحرّك النساءُ براحةٍ في الشارع. يَقُدْن خمسين شخصًا هنا، ألفيْن هناك. الأصوات المتصاعدة من مكبِّرات الصوت تشتبك مع أصوات الرجال المتصاعدة من الجوامع.

شابٌّ عشرينيّ من باب التبّانة. شابّ آخر من البرانيّة. وآخرون كثر من مناطقَ لم يَسمعْ أغلبُنا باسمها. نمشي معهم في المظاهرة. يهتفون، ثم يجلسون معنا على الأرصفة وفي الساحات، ويناقشون همومَهم وتجاربَهم وأفكارَهم.

فتاةٌ في السابعة، بتنّورةٍ مزركشة، ونظّاراتِ شمسٍ ملوّنة، والكثيرِ من الخواتم والأساور. تقترب مني، أنا "الخالة" التي كانت تناقش الرجالَ منذ حين. تقول لي: "بدّي قلّك شغلة. نحن سقّطْنا الحكومة، وبدنا نسقِّط اللي حتجي بعدها!" تقولها بثقةِ مَن تسير وراءها جحافلُ الشعب الهادر!

لا أدري كيف انفجر الوعيُ هكذا، أو كيف انتهى الخوف. لكنّ أطفالنا في هذه الانتفاضة رأوْا قدرةَ الشعب. "نحن سقّطنا حكومة، ما فينا نسقّط الخوف؟" إنجازُ الانتفاضة الأوّل: فقراءُ المدن والمناطق ونساؤها وأطفالها يتكلّمون. الخوف يَسقط، الجهلُ يَسقط، الصمتُ يَسقط.

 

إنجازُ الانتفاضة الأوّل: فقراءُ المدن والمناطق ونساؤها وأطفالها يتكلّمون

 

"أني،" يقول الشابُّ الطرابلسيُّ، "قلتله لصاحب الشغل: بَقْبض 675 ألف بالشهر. رياض سلامة [حاكم مصرف لبنان] بيقبض 48 مليون بالشهر. يعني بدّي 7 سنين لإقبض اللي بيقبضه بشهر. ليش بدّي أطلع من الشارع؟" إنجازُ الانتفاضة الثاني: الحقد الطبقيّ يكبر.

"بحبِّكْ قدّ ما الدولة بتحبّ المطلوبين": جملة مكتوبة على حائطٍ طرابلسيّ، وفي وجع الشباب الذي يقولون إنّ الدولةَ تقتلُهم. "فيه ناس مش متعلّمة، وما بتقدر تحكي، ما بتعرف تعبِّر. مش الحقّ عليها، الحقّ عالدولة اللي منعتْها تتعلّم. بعدين اللي متعلّم ما يجي يشوف حاله علينا! فيه شباب هون بتستحي تحكي لأنّها مش معوَّدة. المثقفين ما بيطلعلن يحسِّسونا إنّا ما منفهم": هذا ما يقوله الشابُّ الطرابلسيُّ أمام رفاقه من مناطق الشمال الفقيرة، وأمامنا - - نحن الذين نبدو "متعلّمين."

يفتح صديقُه سيرةَ المساجين، من شباب الشمال البائس الذي أرهقه الفقر. "اللي بالحبوسة فاتوا لأنّ الدولة ما سمحتْ لهم تكون حياتهم أحسن." "بتفوتوا من باب، بتضهروا من الباب التاني،" يقول أحدُ الشباب الذين شاركوا في معارك باب التبّانة - جبل محسن، "هيك الزعما وعدوا الشباب لمّا صارت المصالحة، وفاتوا عالحبس، ولهلّق ما ضهروا." أخوه شهيد في هذه الحروب، والكثيرُ من أصدقائه في السجن اليوم. ينزل إلى المظاهرات كلَّ يوم. يكلِّم الناسَ ويناقشهم. كثيرون مثله، شبابًا كانوا على الضفّة الأخرى، وعبروا خلال هذه الانتفاضة.

لذلك نسمّي اليوم طرابلس "العاصمةَ": لأنها عاصمةُ انتفاضةِ مَن عُلّقتْ لهم المشانقُ في كلّ يوم، في الإعلامِ والأحاديث، وعلى حواجزِ الجيش، وفي نظراتِ الناس إليهم. فقراء وُضعوا في مواجهة بعضهم بعضًا، ونُثِرتْ بينهم الليراتُ، ليتسابقوا على نهش بعضِهم البعض.

"بحبِّكْ بس ما معي ولا ليرة": تقول الجملةُ على الحائط في جبل محسن، وتردِّدها الشوارعُ والبيوتُ المتهالكة والشبابُ الصارخون في ساحة الثورة. إنجازُ الانتفاضة الثالث: الوعي الطبقيّ، وقليلٌ من الحب.

 

لينين يخرج من الكتب

"العنصر العفويّ ليس - في الجوهر - غيرَ الشكلِ الجنينيِّ للوعي،" يقول لينين في كتابه، ما العمل؟

بدأت الانتفاضةُ الحاليّةُ بعفويّةٍ أخافت الكثيرين، وكانت أحدَ سباب تخوينها. لكنْ مَن يستغرب أن ينشأَ تحرّكٌ بهذه الراديكالية، وأن يتوسّعَ بهذه السرعة، لا يعلم فداحةَ الوضع وعمقَ المعاناة التي يمرّ بها 95% من الناس.

لم تدفع هذه الانتفاضةُ سرديّةَ العفويّة نحو الرومنسيّة، غير أنّ شيطنةَ العفويّة تسارعتْ لتحذِّر مَن دفعها نحو ذلك - - لسذاجةِ المثقفين ربّما، أو لخوفِهم الدائم ممّا يمكن أن يفقدوه.

لكنّ أهلَ الأحياء الفقيرة لم يملكوا يومًا شيئًا ليفقدوه. وفي 17 تشرين الأول، عرفوا ذلك. فهموا أنّ سنينَ "الصبر" الذي نصحوهم به، ومناسباتِ الهِباتِ القادمة من الزعيم، لم تعد تكفي لسدِّ الجوع.

اليوم، أصبح الهامشُ مَرْكزًا. أهلُ القرى والمدن الصغيرة والسجون والعشوائيّات والضواحي أصبحوا في الشوارع. خرجت الناسُ من بيوتها، التي تكاد تقع على رؤوسها، وخرج معها كلُّ الحزنِ والإحباطِ المتراكم. خرج القهرُ الذي أمضوْا سنينَ يدفنونه في عروقهم، فتفجّر فيهم إحباطًا وأمراضًا وأوجاعًا.

الهامش أصبح مَرْكزًا. أصواتُه أصبحتْ هي المسموعة - - وكانت سبابًا، وكفرًا بهم وبممنوعاتهم و"عيبهم" و"أخلاقهم"؛ أخلاقِهم التي تقول إنّ سنينَ النهب والاستغلال يُسكت عنها، لكنّ سبابَ الزعيم ترتجف له الذقون.

أطلق شبابُ "الألتراس" الهتافاتِ المهينةَ للزعماء. والألتراس هم جمهورُ فرق كرة القدم (فريق النجمة، وبعده فريق الأنصار، وغيرهما). هم "زعرانُ" المناطق الفقيرة: مَن بصقتْهم المدنُ كمجرمي العشوائيّات. مِن لغةِ هؤلاء جاءت الشعاراتُ، ومِن مفاهيمهم للرفض، لكنْ أيضًا من حاجةِ الناس إلى كسر الخوف ودوسِه والانتقامِ منه. 

والسباب كان أيضًا رفضًا لكلّ سنوات الصمت التي فُرضتْ على الناس. أخفتم الناسَ سنواتٍ مِن نقدِكم، فانتهى بهم الأمرُ إلى سبّكم!

نزلوا إلى الشارع من دون تنظيم. سبّوكم. أعادوا الحياةَ إلى جميع المناطق. كلُّ ذلك حدث بعفويّة - - ليس لأنّنا نحبّ العفويّة، بل لأنّكم قتلتم كلَّ تنظيم! قوّةُ الانتفاضة لم تكن يومًا بعفويّتها، لكنّ العفويّة هي بكلّ تأكيدٍ بذرةُ الوعي الذي كنّا نتمنّى وجودَه دائمًا.

بيروت

جنى نخّال

باحثة وناشطة يساريّة من بيروت والجنوب. تعمل في مجال التنظيم المدنيّ في العشوائيّات ومخيّمات اللجوء، كما تنشط في التنظيم الطلاّبيّ في الجامعات.