Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

المغرب: حراك الحسيمة وتفاعلاته، حوار مع عبد السلام العزيز*

حوار
المحاور: 

 

 

*شكّل حَراكُ "الحسيمة" تحوّلا واضحًا في التعبير الاحتجاجيّ في المغرب، إذ انتقلنا من ظاهرة الاحتجاجات الفئويّة الضيّقة إلى احتجاج شعبيّ عارم يحمل مطالبَ أوسعَ وأعمق. فكيف يمكنكم تفسيرُ هذا التحوّل؟ وما هي تداعياتُه على ثقافة الاحتجاج في المغرب؟

العزيز: يمكننا، بدءًا، اعتبارُ حراك الحسيمة، ومعه العديد من الاحتجاجات في مناطق مغربيّة أخرى، حراكًا ذا مطالب عامّةٍ وشاملة: سياسيّة، واجتماعيّة، وثقافيّة، واقتصاديّة. وهو حراكٌ يأتي بعد سلسلة من الاحتجاجات؛ إذ لم يكد يمرّ يومٌ، خصوصًا في السنوات الخمس الماضية، من دون تسجيل احتجاجٍ هنا أو هناك على الأوضاع الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو المهنيّة أو الحقوقيّة. ونذكر، في هذا السياق، حركة 20 فبراير، والدورَ الفعّالَ الذي أدّته في تحرّر المغاربة من عقدة الخوف من الآلة القمعيّة لـ"المخزن." ونعرف أنّ هذه الاحتجاجات أفضت حينها إلى "إصلاح" دستوريّ سنة2011، هدف في المقام الأوّل إلى امتصاص غضب الشارع والالتفاف على مطالبه.

لكنْ، بعد المصادقة على دستور 2011، وإجراء انتخابات سابقة لأوانها، وتشكيل حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع، لاحظنا فتورًا في مستوى الاحتجاجات، واختفت حركة 20 فبراير عن الأنظار. غير أنّ فكرة الاحتجاج، في طابعها الفئويّ الضيّق، ظلّت مستمرة؛ إذ تواصلت الاحتجاجات في ظلّ حكومة عبد الإله بنكيران، ولاسيّما أنّ هذه الحكومة جاءت لتُجْهز على ما تبقّى من مصالح الفئات المُعْوزة، بل المتوسّطة كذلك، لتخلق نوعًا من اليأس الاجتماعيّ والسياسيّ سبّب توتّرًا اجتماعيًّا. وهذا ما تجلّى مع احتجاجات الحسيمة، التي بدأتْ منذ أكتوبر 2016 إثر واقعة طحن الشهيد محسن فكري في حاويةٍ للنفايات أمام أنظار السلطات العموميّة!

هذه الواقعة أجّجت التوتّر الاجتماعيّ، فخرج الناسُ يطالبون بالقصاص من المتسبّبين. ثمّ تطوّر الحجاجُ إلى المطالبة بالكرامة، والحرّيّة، وانتفاء الظلم، وتحقيق الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة لساكِنة الحسيمة ومجموع المناطق الريفيّة التي تعاني التفقيرَ والإقصاء. والملاحَظ أنّ هذا الحراك بدأ يأخذ، في الأيّام الأخيرة، منحًى تصاعديًّا بسبب تجاهل السلطات مطالبَ المحتجّين، وبفعل إصدار الأغلبيّة الحكوميّة بياناتٍ تسِم الحراكَ الشعبيّ السلميّ لأهل الحسيمة بالانفصاليّة والعداء للوحدة الوطنيّة؛ الأمر الذي دفع الدولة إلى انتهاج سياستها الأمنيّة التقليديّة، المتمثّلة في قمع المظاهرات، وشنّ سلسلة من الاعتقالات والمطاردات، وإطلاق تهم "الخيانة" و"تعريض أمن البلاد للخطر."

لكنْ، على الرغم من التجييش الكبير لقوى الأمن، لم تفلح الدولةُ في إخماد نار الاحتجاج، بل عملتْ على تأجيجه، ولا سيّما أنّ عدوى الاحتجاج انتقلتْ إلى العديد من المدن المغربيّة الصغيرة التي تعاني هشاشةً اقتصاديّةً واجتماعيّةً مماثلة، ما يجعل منها ــــ بحقّ ــــ أحزمةً للفقر تطوِّق خاصرةَ الوطن.

فهناك غيابٌ شبهُ تامّ للبنيات التحتيّة، من طرقٍ ومستشفياتٍ ومرافقَ عموميّة. أضف إلى ذلك انتشارَ البطالة، وغيابَ مستلزمات العيش الكريم. وهذه العوامل جميعُها حثّتَ شبابَ الحسيمة على رفع صوت الاحتجاج، ودفعتْ بالساكنة إلى الخروج إلى الفضاء العامّ لإسماع صوتها المكبوت.

كان حراكُ الحسيمة وطنيًّا حتّى النخاع. كما كان سلميًّا وحضاريًّا، أربكَ كلَّ حسابات الدولة، وجعلها مُحرجةً في إيجاد المخرج اللائق لإسكاته. الدولة، في مثل هذه المواقف، تنتهج عادةً سياسة الهروب إلى الأمام؛ لكنّها اليوم أمام مأزق كبير: فقد جرّبتْ أدواتِها القمعيّة ولم تنجح في وقف حركة الاحتجاج في الريف، بل أضافت إليها زخمًا كبيرًا، ممثَّلًا في تزايد عدد المدن المغربيّة المحتجّة، فضلًا عن تعاطف جهاتٍ أخرى، مثل المسيرة الكبرى التي شهدتْها الرباطُ مؤخّرًا مساندةً للمطالب الاجتماعيّة والاقتصاديّة لشباب الريف.

* هل نحن اليوم، في المغرب، أمام استئناف لحَراك "الربيع العربيّ،" وإنْ تحت شروط تاريخيّة مختلفة وبأدوات جديدة؟ وهل يمثّل حَراكُ الريف مؤشّرًا على عودة الروح إلى حركة 20 فبراير، وعلى استعادة دورها كموجِّهٍ لحركة الاحتجاج الوطنيّ؟ أمْ نحن أمام نسق جديد لروح الحراك، له منطقُ اشتغاله المتميّز، ومنطلقاتُه وأهدافُه المختلفة عن حراك 20 فبراير؟

العزيز: حركة 20 فبراير ظهرتْ ضمن سياق عربيّ وجهويّ ذي خصوصيّة معيّنة. وكانت الدولة المغربيّة حينها قد قرأت الوضعَ العامَّ بنوع من الإيجابيّة، فتفاعلت بإيجابيّة مع مطالب الشارع المغربيّ، وبخاصّةٍ أنّ الأوضاع العربيّة والمحيطة لم تكن تساعد على المماطلة. لكنّ الظاهر أنّ الدولة لم تكن مقتنعةً بانتهاج سياسة إصلاحيّة عميقة الأثر، بقدْرِ ما كانت تتعامل بنوع من الانتهازيّة مع مرحلة تاريخيّة عصيبة. وستتجلّى هذه الانتهازيّة في أشكال تنزيل مقتضيات دستور2011، الذي عرف مجموعةً من الصعوبات والتأجيلات، ما أثّر في روح الإصلاح الدستوريّ، وجعله مجرّدَ حبرٍ على ورق. لم يَرْقَ هذا الدستور، ولا تنزيلاتُه، إلى التطلّعات الجماهيريّة في تحقيق الإصلاح والتغيير المنشوديْن؛ كما لم يحلّ الإشكالَ الحقيقيَّ في المغرب، ألا وهو إشكالُ الديمقراطيّة.

ونسجّل هنا أنّنا قمنا ــــ في حزب المؤتمر الوطنيّ الاتحاديّ، وفدراليّة اليسار الديمقراطيّ (1) ــــ برفع مذكّرة في هذا الشأن، طالبنا فيها بضرورة التنصيص على مطلب "المَلَكيّة البرلمانيّة" لحلّ المعضلة الديمقراطيّة في المغرب، ولإيجاد الحلول لكافّة المشاكل التي رافقتْ بناءَ الدولة الحديثة في التاريخ المغربيّ منذ الاستقلال؛ فلا ديمقراطيّة في ظلّ ملكيّةٍ تستحوذ على كلّ مصادر السلطة والقرار.

حراك الحسيمة ليس إحياءً لحراك 20 فبراير. إنّ حراك الحسيمة، وحراك مجموعة من المدن المغربيّة اليوم، جديدٌ في شكله وأفكاره وآليّات اشتغاله. إنّه حراك ذو بعد اجتماعيّ واقتصاديّ في الأساس، خلافًا لحراك 20 فبراير الذي كان حراكًا سياسيًّا في المقام الأوّل. ولنلاحظْ حرصَ قادة الحَراك الجديد على التنصّل من أيّ انتماءٍ سياسيّ أو تأطير حزبيّ أو نقابيّ. لكنْ، إذا تمادت الدولةُ في تجاهلها لهذه المطالب، وفي تشييد سور القطيعة مع الحراك، فإنّه قد يتحول إلى حَراك سياسيّ ــــ وهذا مخيفٌ أمام ضُعف الأحزاب وعجزها عن التفاعل مع متطلّبات الحراك ومستلزمات تأطيره.

 

*يحاول البعض الربطَ بين حَراك الحسيمة والانتفاضات السابقة: كانتفاضة 1958 و1959، وانتفاضة 1984 التي تصدّت لها الدولةُ بكلّ آليّات العنف التي تمتلكها؛ وهي اللحظة التاريخيّة التي ما تزال موشومةً في ذاكرة الريفيين إلى يومنا هذا، إذ ولّدتْ لديهم إحساسًا بالهامشيّة و"الحكرة" والظلمِ التاريخيّ. أفلا تَعتبر هذه الجراحَ التاريخيّة عاملًا كافيًا لإحياء ترسّبات الماضي وبعثها من رمادها أوارًا للحَراك الحاليّ؟ ألا يمثّل حملُ علم "الجمهوريّة الريفيّة" في حَراك الريف مؤشِّرًا على البعد السياسيّ لهذا الحراك، وعلى الخلفيّة التاريخيّة التي يحملها ممثَّلةً في تجربة النضال التي خاضها البطلُ الأسطوريّ محمد بن عبد الكريم الخطابي؟

العزيز: الحَراك القائم اليوم يقتصر على مدينة الحسيمة وبعض المناطق التابعة لها من حيث الإقليم. أمّا الريف، فهو منطقة جغرافيّة تمتدّ من طنجة إلى الناظور. لهذا، وجب الحذرُ في إطلاق المسمَّيات حتّى لا نسقط في التعميم. إنّ الأمر، إذن، يتعلّق بحَراك في منطقة جغرافيّة محدودة في الريف، لا في الريف برمّته.

من الأكيد أنّ الريف، وهذه المناق المشتعلة أساسًا، كانت تُعتبر، تاريخيًّا، مناطقَ "السيبة،" أيْ خارجة عن نفوذ "المخزن" المغربيّ، نظرًا لاعتبارات متعدّدة، فيها ما هو جغرافيّ ممثّلًا في صعوبة التضاريس المحيطة بالمنطقة، وفيها ما يتعلّق بالجانب الإثنيّ وبالعصبيّة القبليّة. وحين جاء الاستعمار، كانت مقاومةُ الريفيين له تحت قيادة الخطابي متميّزة عن طبيعة المقاومة التي سادت في المغرب. وجاء إعلانُ الخطابي "جمهوريّةَ الريف" من منطلق إضفاء المشروعيّة على مقاومته، وإكسابها موقعَ المفاوض مع العدوّ. وكذلك الأمر في حمل علم "الجمهوريّة الريفيّة" عاليًا في تلك اللحظة.

بعد الاستقلال، ظلّ تعاملُ السلطة مع منطقة الريف كأنّها منطقة "مارقة،" إذ استُثنيتْ من المشروع التنمويّ الوطنيّ العامّ، بل جوبهتْ بقمعٍ لا مثيل له إبّان انتفاضتيْ 1958 ــــ 1959 و1984؛ ما ولّد لدى الريفيين شعورًا بـ"الحكرة التاريخيّة." وبرغم التقرّب الذي أبداه الملكُ الحاليّ محمد السادس، وزياراته المتكرّرة إلى المنطقة، وإطلاقه العديدَ من المشاريع (ظلّت، في مجملها، معطّلةً من دون مبرِّر)، فإنّ علاقة "المخزن" بهذه المناطق ظلّت محفوفةً بانعدام الثقة بين الطرفين.

لذلك لا نستبعد وجودَ هذه الخلفيّة التاريخيّة لدى قادة الحراك في الحسيمة وفي مناطق ريفيّة أخرى. كما لا ننفي اعتبارَ هذه الخلفيّة المليئة بالجروح عنصرًا ثقافيًّا وسياسيًّا خلق اللحمةَ بين المحتجّين، وأعطى حركتَهم بعدًا هويّاتيًّا، وقَدّم إليهم المبرِّرَ التاريخيَّ الناصعَ على هامشيّة المنطقة وعلى الظلم والحكرة اللذيْن وُوجهتْ بهما منطقتُهم عبر التاريخ. هذا النوع من الإرضاء الذاتيّ (Auto- satisfaction) بالشرط التاريخيّ للحراك دفع البعضَ إلى اعتبار حَراك الحسيمة حراكًا سياسيًّا ذا بعد انفصاليّ.

لكنّنا نرى أنّ من الخطأ التعاملَ مع حراك الحسيمة باعتباره كذلك، وذلك لسببين أساسيْن: أولًا، لم يَصدر عن قادة الحراك أيُّ بيان يفيد بأنّ حراكهم انفصاليّ، بل إنّ مَن خلقَ هذا المفهومَ وروّجه هو الدولة المغربيّة. ثانيًا، إنّ فكر الخطابي كان فكرًا وحدويًّا، لا على مستوى المغرب الأقصى وحده، وإنّما على مستوى المغرب العربيّ كلّه؛ أضف أنّ أمازيغيّة الخطابي لم تمنعه من إشهار قوميّته العربيّة، ودفاعه عن اللغة العربيّة.

يجب أن نعترف جميعًا بأنّنا نواجه فشلًا في السياسات التنمويّة التي انتهجتها الدولةُ منذ الاستقلال، وأنّ الحسيمة حلقةٌ من مسلسل التهميش والإقصاء وعدم التوزيع العادل لثروات الوطن.

*لمسْنا فشلَ الأحزاب السياسيّة والنقابات في تأدية دور الوسيط المؤطِّرِ للاحتجاج، والمُدافعِ عن مطالبه في وجه الدولة. فهل نحن أمام منعطف جديد يَقْطع مع الأدوار الكلاسيكيّة الحزبيّة والنقابيّة العمّاليّة الشعبيّة؟ ثمّ ألسنا أمام فشل ذريع لدور الأحزاب السياسيّة والنقابيّة في تدبير العمليّات السياسيّة من بوّابة الانتخابات؟

العزيز: أظنّ أنّ هذا هو إشكال الأحزاب الكبير. لكنّ الأحزاب ليست وحدها المسؤولة عمّا آل إليه الوضعُ الراهن. إذ إنّ المؤسّسات اليوم، في المغرب، كلّها على المحك: فالبرلمان والمجالس الانتخابيّة فقدتْ كلّ المصداقيّة من لدن المواطنين الذين انتخبوها بأنفسهم. ليس هناك بلدٌ في العالم تخرج فيه احتجاجاتٌ بعد كلّ استحقاق انتخابيّ، وكأنّ المواطن المغربيّ يسجِّل أنّه ضدّ مشروعيّة المجالس المنتخَبة! زِد على ذلك ثقافةَ الفساد التي عمّت الانتخابات التشريعيّة والمحلّيّة منذ العام 1976 إلى آخر انتخابات في العام 2011، وهي مؤشّر قويّ على عدم إيمان المواطن المغربيّ بقدرة هذه المؤسّسات المنتخبة على تمثيله، بحكم وصولها إلى السلطة عن طريق الفساد والرشوة وشراءِ الذمم والأصوات، وبحكم تدخّل الدولة لصالح هذا الحزب أو ذاك لتَخلق منه أغلبيّةً حاكمةً تطمئنّ مؤسّساتُها إليها. وكلّ هذه المظاهر يمكن إرجاعُها إلى طبيعة النظام السياسيّ المغربيّ المعتمِد على "المَلَكيّة التنفيذيّة" التي تتمنّع ــــ بطبيعتها ــــ عن القبول باللعبة السياسيّة المفتوحة، ولا تتلاءم مع هويّتها التحكّميّة.

الوضع السياسيّ في المغرب يعاني غيابَ تعدّديّة سياسيّة حقيقيّة، على الرغم من وجود تعدّديّة حزبيّة صوريّة لا تشكّل قوّةَ ضغطٍ على صانع القرار الأعلى. وعلى الرغم من وجود أحزاب كثيرة قد تصل إلى الحكم حاملةً برامجَ سياسيّة مختلفة وخلفياتٍ إيديولوجيّةً متنوّعة، فإنّها ستجد نفسها مضطرّةً ــــ أثناء ممارستها للحكم ــــ إلى تنفيذ برامج مسطّرة سلفًا!

أما في ما يتعلّق بالنقابات العمّاليّة، فهي كذلك عانت تدخُّلَ الإدارة [المخزنيّة] لدعم بعضها وتهميش أخرى. ثمّ إنّ السياسات العموميّة المتّبعة أدّت إلى نشر الهشاشة في القطاعيْن الخاصّ والعامّ. يضاف إلى ذلك مسلسلُ ضرب المكتسبات الاجتماعيّة التاريخيّة للشغّيلة (التقاعد، العمل بالعقدة، تجميد الأجور،...). وكلّ هذا صعّب العملَ النقابيّ، وقلّص من مستوى التنقيب.

* نكاد لا نجد مسيرةً احتجاجيّةً تخلو من شعار "محاربة الفساد،" وكأنّ الفساد أضحى مؤسّسةً في ذاتها لا بدّ من مواجهتها. اليوم، الدولةُ في موقع المتّهَم، والمجتمعُ في موقع المُدافع عن الحقّ العامّ. ألسنا، إذًا، في مواجهة مفتوحة بين المجتمع والدولة في سياق الحرب على الفساد؟ وأيُّ مآل ينتظر جولاتِ هذه المواجهة؟ وما تأثيرها في إعادة تشكّل البنى الاجتماعيّة والسياسيّة في المغرب؟

العزيز: الفساد في المغرب جزءٌ من البنية السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة؛ إذ لم يعد يوجد قطاع من القطاعات إلّا وابتلي به. نحن نتحدّث عن "جهاز فساد" قويّ تشكّلَ عبر سنوات استقلال المغرب، وازداد قوّةً في السنوات الخمس الأخيرة. وفي المقابل، ليست هناك إرادةٌ سياسيّةٌ للقضاء عليه ولمتابعة المفسدين، وذلك لسبب بسيط: هو أنّهم صاروا مثل الأخطبوط الذي لا رأس له ولا أرجُل. للقضاء على الفساد لا بدّ من الانكباب على إصلاح الفكر، وبناء ثقافة تتحدّى كلّ أشكل الفساد، وتنشر قيمَ النزاهة والاستقامة والروح الوطنيّة المثلى.

إنّ أمَّ الأزمات في المغرب اليوم هو الفساد. وسببُ تردّي ترتيب المغرب في مستويات النموّ يعود إلى تغوّل الفساد في مؤسّساته. فكيف يُعقل أن يكون المغرب أوّلَ دولة في إفريقيا في مستوى تحويل العملات خارج الوطن، وهو الدولة التي لا تملك نفطًا ولا غازًا ولا مواردَ طبيعيّة ثمينة؟!

*يروج أنّ ثمّة قوى خارجيّة تُسهم في إشعال فتيل أزمة الريف، وتدعمه بالمال والخبرات. أحيلكم على مقال الصحفيّ الجزائريّ حفيظ بوقرّة، في موقع الجزائر تايمز، بعنوان "أموال الخزينة تنفخ في لهيب الحَراك الريفيّ." وفيه شنّ هجومًا عنيفًا على نظام بلاده، معلنًا أنّ الجزائر استضافت نشطاءَ الريف في أوروبا، المعروفين بـ"الأمازيغ،" ودعمتهم بالمال لتنفيذ احتجاجاتهم ولخلق فوضى في المغرب. أليس من السهل على المتتبِّع الاقتناعُ بدور الجزائر، وبعض القوى الدوليّة كـ"إسرائيل،" في خلق جوٍّ من الاضطراب والفتنة داخل المغرب خدمةً لتقسيمه؟ هل نحن أمام أجندة دوليّة تهدف إلى إعادة رسم خريطة المنطقة؟

العزيز: العلاقة المغربيّة ــــ الجزائريّة المتوتّرة على الدوام تخلق هذا النوعَ من الهواجس بالفعل، ونتذكّر كيف اتّهمت الجزائرُ المخابراتِ المغربيّةَ بتدبير أحداث تيزي أوزو. أعتقد أنّه إذا ثبت ما تروِّجه المنابرُ الإعلاميّة، فسيكون لعبًا بالنار، قد لا يهدّد المغربَ أو الجزائرَ فحسب، بل مستقبل الشعوب المغاربيّة جميعِها. فإذا انتهجتْ كلُّ دولةٍ سياسةَ الكيد للدولة الأخرى، من خلال دعم أيّ حركةٍ انفصاليّة فيها، فستجنيان على مصير شعبيْهما.

إنّ المغرب والجزائر، على الرغم من العداء البادي بينهما، مطالبان بالتحلّي بالحكمة والرزانة، وبتغليب المصلحة العامّة على مصالح الحكّام الأنانيّة والشخصيّة. وأيُّ اضطرابٍ في المغرب أو زعزعة لاستقراره سيكتوي بنارها شعبُ الجزائر والدولةُ الجزائريّة على حدّ سواء، والعكس صحيح.

*أيّ أفق للحراك الشعبيّ في الريف؟

العزيز: تبقى المقاربة الأمنيّة هي أداةَ النظام لمواجهة كلّ حراك شعبيّ يَصدع بالإصلاح. ولكنْ منذ الستينيّات والسبعينيّات، عندما كانت الدولة قويّةً اقتصاديًّا، والمجتمعُ لا يمتلك ما يمتلكه اليوم من علمٍ ومن وسائل اتّصالٍ وتواصل، لم تتمكّن الدولةُ من تحقيق أيّ نجاح عبر العنف. فكيف ستنجح في المقاربة الأمنيّة وقد امتلكتْ طبقاتٌ من شباب المغرب نصيبًا من التعليم، وصارت تتقن فنونَ التواصل والاتّصال، وصار بإمكانها إيصال صوتها إلى خارج الوطن؟!

على الدولة أن تعيد النظرَ في استراتيجيّتها الأمنيّة، التي أكّدت الوقائعُ التاريخيّةُ عدمَ فعّاليّتها في خلق الاستقرار والأمن السياسيّ والاجتماعيّ. فالمقاربة السياسيّة هي الحلّ الأمثل لكلّ المشاكل.

إنّ الدولة اليوم مطالبة بإطلاق سراح جميع المعتقلين؛ فلا نظنّ أنّ الحراك كان عنيفًا إلى درجةٍ تدفعها إلى شنّ حملة اعتقال هوجاء زادت من لهيب الاحتجاج بدلًا من أن تهدّئه. وهي مطالبة أيضًا بالانكباب على مطالب الحَراك التي أقرّتْ بمشروعيّتها، ومتابعة تنفيذها على أرض الواقع، والانكباب من ثمّ على بناء رؤية تنمويّة حقيقيّة لكلّ المناطق.

لكنْ لا أعتقد أنّ الدولة تمتلك رؤيةً سياسيّةً إصلاحيّةً حقيقيّةً قادرةً على إرجاع الثقة إلى المواطن المغربيّ. لقد أظهرت السياساتُ المتعاقبة أنّ الدولة تسوق الوضعَ نحو التأزيم، لا نحو حلّ الأزمات. ففي مجال الشغل، لا أعتقد أنّ الاقتصاد الوطنيّ، بنسبة النموّ التي يحققها، 2.50% أو 3%، يستطيع استيعابَ جحافل الشباب المتخرّجين من الجامعات. وعلى مستوى التعليم، لا نرى أنّ سياسة الخوصصة التي تتّبعها الدولة قادرةٌ على القفز بالمجتمع إلى برّ الأمان. وقِس على ذلك مجموعةً من القطاعات التي برهنتْ الدولةُ على الفشل في تدبيرها، كالصحّة والسكن والتنمية. هذه كلّها ملفّاتٌ كبرى تضع تحدّياتٍ ضخمةً أمام الدولة، ولا تُمْكن مقاربتُها بالسياسة الماكرو ــــ اقتصاديّة التي تعتمدها، وإنّما لا بدّ من توفّر إرادة سياسيّة حقيقيّة ترفض الانصياعَ لقرارات التوازنات الماليّة المفروضة من طرف المؤسّسات النقديّة العالميّة.

بكلام آخر: يجب أن تكون لدينا حكومة قويّة، مالكة لمشروعيّة شعبيّة، قادرة من خلالها على محاورة حركات الاحتجاج ومطالبها المشروعة، وقادرة على وضع اختيارات أخرى لمعالجة المعضلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة المطروحة.

الدار البيضاء

* عبد السلام عزيز: الأمين العامّ لحزب المؤتمر الوطنيّ الاتّحادي، ومنسّق فيدراليّة اليسار الديمقراطيّ.

1- فدراليّة اليسار الديمقراطيّ: تحالف سياسيّ بين ثلاثة أحزاب يسارية مغربيّة، هي: حزب الطليعة الديمقراطيّ الاشتراكيّ، وحزب المؤتمر الوطنيّ الاتحادي، والحزب الاشتراكيّ الموحّد. وقد أُعلن عن تأسيسها في الرباط يوم 30 يناير 2014، بعد خمس سنوات من الحوار في إطارِ ما يُعرف بـ"تحالف اليسار الديمقراطيّ." وأبرز نقاط برنامجها الانتخابيّ: الانتقال من نظام مخزنيّ إلى نظام ديمقراطيّ؛ إجراء انتخابات حرّة ونزيهة؛ إصلاح التعليم إصلاحًا عميقًا؛ تحديث الثقافة الوطنيّة ودعمها استنادًا إلى هويّتها العربيّة الإسلاميّة الأمازيغيّة المنفتحة.)

اتّصل بنا من نحن دار الآداب