الولايات المتحدة: التطوّر المتلازم للفاشية المحلّية والإمبريالية العالميّة
30-03-2021

 

بتاريخ 14/3/2021، عقدتْ مجلّة الآداب ندوةً رقميّةً بعنوان "الولايات المتحدة: التطوّر المتلازم للفاشيّة المحلّيّة والإمبرياليّة العالميّة." شارك فيها كلٌّ من كالي أكونو وريتشارد بَكِر، وأدارها إيّاد قيشاوي. هنا تقديم قيشاوي. لقراءة مداخلة بكر، انقرْ هنا.

***

 

إمبراطوريّاتٌ تصعد، وإمبراطوريّاتٌ تهبط. الولايات المتحدة الأميركيّة ليست استثناءً من هذا الحُكم التاريخيّ، وإنْ كانت قويّةً وغنيّةً بشكلٍ استثنائيّ. سِمتان تعريفيّتان تدلّان على الإمبراطوريّات عند هبوطها:

- الانحلال الداخليّ الناجم عن عجزِها عن الإيفاء بوعودها للمنتفِعين.

- استيراد العنف التي كانت تستخدمُه على الشعوب في الخارج البعيد. وبذلك تغدو عاجزةً عن إدارة تناقضاتها الداخليّة من خلال تصدير التوتّرات عبر الحروب والصراعات.

منذ الحرب العالميّة الثانية، خاضت الولاياتُ المتحدة ثمانيَ عشرةَ حربًا رسميّة، وخاضت ما يفوق ذلك بكثيرٍ من المغامرات العسكريّة غيرِ الرسميّة. هذه الحروب تراوحتْ بين الفشل والنتيجة الباهتة. معظمُها كان ذا امتداداتٍ إقليمية: مثل قصف لاوس وكمبوديا أثناء هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، وتوسُّعِ الحروب المذهبيّة التي غذّتها بالنيابة عنها من لبنان إلى العراق وسوريا، والعقوبات والهجمات المتنامية على إيران وحلفائها.

إستراتيجيًّا، قد يحاجج المرءُ بأنّ الحرب الكوريّة كانت آخرَ مغامرةٍ عسكريّةٍ أميركيّةٍ ذات نتائجَ مختلطة، في حين أنّ كلَّ الحروب الأميركيّة اللاحقة كانت فشلًا بفشل. فقد قُسّمتْ كوريا الى شماليّةٍ وجنوبيّة، ولم يصمد الشيوعيّون في كوريا الشمالية والصين فحسب بل انتعشوا بعد ذلك أيضًا. في فييتنام حقّقت الثورةُ الشيوعيّةُ وحركةُ التحرر الوطنية كلَّ أهدافها، وألحقتْ بالجيش الأميركيّ هزيمةً منكرة. وصمدتْ كوبا وإيران في مواجهة عقودٍ طويلةٍ من الأعمال العدوانيّة والحصار والعقوبات الأميركيّة. في لبنان وفلسطين واصلتْ حركاتُ التحرّر والمقاومة الوطنيّة نضالَها من دون توقّف، وإنْ بتشكيلاتٍ حزبيّةٍ مختلفة، على الرغم من الضغوط وانعدامِ الاستقرار في المنطقة. وفي أفغانستان ها هي الحكومةُ الأميركيّةُ تستجدي المفاوضات مع "طالبان" من أجل انتشال نفسها من المستنقع الذي غرقتْ فيه. أمّا الحرب على العراق فكانت هزيمةً متدرِّجةً للولايات المتحدة، ولم تحقّقْ هناك أيَّ أهدافٍ بعيدةِ المدى؛ على العكس تمامًا: إذ توسّع النفوذُ الإيرانيّ، والمعادي للصهيونيّة في المنطقة، بل توسّع النفوذُ الصينيُّ أيضًا. وفي ليبيا لم يستطع أيُّ نظامٍ دمْيةٍ أن يُمسكَ بالوضع. والقائمة تتواصل.

وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة تمتلك القوةَ العسكريّةَ لإحداث تغييرٍ مزلزلٍ في الأنظمة، ولتمويل حروبٍ بالنيابة عنها، فإنّها لم تستطعْ أن تُثْبت قدرتَها على هزيمة حركة تحرير وطنيّةٍ مصمِّمةٍ على بناء سيادتها وترسيخِها. لقد خلقت الولاياتُ المتحدةُ تنظيمَ "القاعدة" وموّلتْه من أجل محاربة الاتحاد السوفياتيّ، ثم وسّعتْ مساعدتَها لتشملَ التنظيمَ الذي انبثق عن "القاعدة،" وأعني تنظيمَ الدولة الإسلاميّة (داعش)، إمّا مباشرةً أو من خلال الكيان الصهيونيّ. غير أنّ النموذجَ الليبيّ، وتجربةَ داعش في سوريا والعراق، كانا فشليْن ذريعيْن للولايات المتحدة. صحيح أنّ الإرهابيّين الذين موّلتْهم الولاياتُ المتحدة استطاعوا أن يُخيفوا المواطنين وأن يُرهبوهم، لكنّهم لم يستطيعوا أن ينافسوا محورَ المقاومة والتحرّر الوطنيّ في شتّى الميادين التي سيطر هذا المحورُ عليها. وكلُّ الجهود والدراسات شبهِ العلميّة التي قدّمتْها برامجُ دايفيد بتراووس لـ"مكافحة التمرّد" أثبتتْ عدمَ فعّاليّتها في وجه شعوبٍ تسعى إلى التحرّر والسيطرة على أرضها وتقريرِ مصيرها بنفسها.

لقد منح انهيارُ الاتحاد السوفياتي الولاياتِ المتحدةَ مجالًا لا يُضاهى كي تديرَ أعمالَها من دون أدنى حسيبٍ او رقيب. غير أنّ الفراغَ السوفياتيّ ما لبث أن ملأتْه قوةٌ شيوعيّةٌ عظمى أخرى، هي الصين. ومنذ بروز عقيدة ترومان، ركّزت الولاياتُ المتحدة على خلخلة استقرار العالم العربيّ من أجل أن تضمن للكيان الصهيونيّ تفوّقًا استراتيجيًّا. كما دعمت الأنظمةَ العسكريّةَ الاستبداديّة في أميركا اللاتينيّة بغية احتواء التأثير الكوبيّ، في الوقت الذي راحت تبني فيه قواعدَ عسكريّةً في أفريقيا لملء الفراغ الذي خلّفه سقوطُ نظام الفصل العنصريّ (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا. غير أنّ الولايات المتحدة لم تُخفقْ في احتواء التأثير الكوبيّ فحسب، بل إنّ الأنظمة اليساريّة في أميركا اللاتينيّة حقّقتْ أيضًا انتصاراتٍ كاسحةً في التشيلي والاكوادور وفنزويلا ونيكاراغوا، ولم يبقَ إلّا كولومبيا وكوستاريكا معقليْن أخيريْن للولايات المتحدة هناك. وأمّا في أفريقيا فقد نجم كلُّ صراعٍ هناك عن إضعاف الوجود العسكريّ الأميركيّ. وأمّا إيران فتتمتّع بتأثيرٍ ودعمٍ لا يُعْلى عليهما، إذ استطاعت الفصائلُ الحليفةُ لها أن تهزمَ داعش و"إسرائيل،" وهي اليوم تشكّل رادعًا ذا صدقيّةٍ في وجه أيّ اعتداءٍ صهيونيّ في المستقبل.

في خطاب عن الكولونياليّة لاحظ إيميه سيزير أنّ العنف الذي مارستْه الإمبراطوريّةُ على الخاضعين لها في محيطها قد خلخل وضعَها هي نفسَها. فقد كتب ما يأتي:

"... علينا أن نبيِّن أنّه كلّما قُطع رأسٌ أو أطفئتْ عينٌ في فيتنام وقُبِلتْ هذه الواقعةُ في فرنسا، وكلّما اغتُصبتْ فتاةٌ وقُبِلتْ هذه الواقعةُ في فرنسا، وكلّما عُذِّب مواطنٌ في مدغشقر وقُبلتْ هذه الواقعةُ في فرنسا، فإنّ الحضارة تَحمل ثقلًا ميّتًا إضافيًّا، ويحصل ارتدادٌ عالميّ، وتبدأ الغنغرينا في العمل، ويباشر مركزُ الالتهاب بالتفشّي. [وعلينا أن نبيّن] أنّه بعد انتهاك كلّ تلك المعاهدات، وبعد نشرِ كلّ تلك الأكاذيب، وتحمُّلِ كلّ تلك الحملات التأديبيّة؛ وبعد ربطِ كلّ أولئك السجناء و"استُجوابهم،" وتعذيبِ كلّ أولئك الوطنيّين؛ وبعد كلّ الزَّهو العرقيّ الذي جرى تشجيعُه، وكلِّ التبجّح الذي جرى استعراضُه؛ فإنّ سُمًّا قد حُقِن في عروق أوروبا. وببطء، لكنْ بثبات، ستتقدّم القارّةُ باتّجاه الهمجيّة."

في مجتمعٍ استعماريّ-استيطانيّ، كالمجتمع في الولايات المتحدة، لم يكن خطُّ المواجهة ماثلًا في الخارج دائمًا. فلقد أدّت قرونٌ من الإبادة التي مورست ضدّ الشعوب الأصلانيّة، وقرونٌ من العبوديّة التي فُرضتْ على ذوي الأصول الأفريقيّة، إلى تاريخٍ دمويٍّ من التهجير والمجازر والأمراض والفصلِ العنصريّ، وإلى مشهديّاتِ شنق الغوغاء للأفارقة الأميركيّين مِن على الأشجار (كانت العائلاتُ الأميركيّة البيضاء تصطحب أولادَها في نزهات "بيكنيك" لمشاهدة السود الأبرياء وهم مشنوقون من تلك الأشجار). هذا التاريخ ولّد توتّرًا كبيرًا تحت الغشاء الرقيق لـ"الحلم الأميركيّ" [المزعوم]. كلّما خَذَل هذا الحلمُ الطبقةَ الوسطى البيضاءَ وتوقّف عن العمل، وكلّما ظهر انكماشٌ اقتصاديّ أو ازمةُ إفراطٍ في الإنتاج، برزتْ هذه التناقضاتُ إلى السطح. الشرطة الأميركيّة تقتل السودَ في الشوارع. الشعوب الأصليّة في الولايات المتحدة تُقمع باسم "مشاريع تنمية،" وتُنتهك سيادتُها، كما المعاهداتُ التي أُبرمتْ معها. النساءُ الأصلانيّات يعانِين حاليًّا وباءَ الاختفاء بسبب البيض الذين استَوطَنوا قربهنّ.

مع هذا الانحدار، ومع بروز التناقضات الأساسيّة في المجتمع الأميركيّ، تنامى امتعاضُ الطبقة الوسطى من الرأسماليّة نفسها. فالعمل الشاقّ، وخدمةُ الطبقة الحاكمة، لم يعودا يحصّلان الفوائدَ كما في السابق. والمراكزُ الصناعيّة الكبرى التي كانت تخضع لنقاباتٍ عمّاليّة باتت تُدفع باتجاه وظائفَ خدماتيّةٍ لا أفقَ لها. وكلّما حدث مزجٌ فعليٌّ بين الاقتصاد والبورصة، توقّف المجتمعُ عن الإنتاج. وحلّ قطاعُ المال محلَّ قطاع الصناعة. فقّاعاتُ التخمين تتفاقم وتنهار بوتيرةٍ أسرع. واليوم تبدّلتْ دورةُ رأس المال-السلعة-رأس المال لتصبح دورة رأس المال-رأس المال، وأقصت العاملَ المنتِجَ. العاملون في الولايات المتحدة صار يُطلب إليهم أن يشيطنوا المستعمَرين والمحرومين، أو أن ينخرطوا في الجيش من أجل الحفاظ على نمط عيشهم. لكنّ مشروعَ الانخراط في الجيش فشل هو نفسُه بعد الهزيمة الأميركيّة في العراق. والقوّة التي عوّمت الإمبراطوريّةَ الأميركيّة لم تعد تُسنِدُ الجبهةَ خارج حدود أميركا، فأُعيد إدخالُها (مع تناقضاتها البشعة) إلى الداخل، ليس فقط على الصعيد الاقتصاديّ بل بشكلها المعسكر أيضًا.

بعد صعود النازية لاحظ سيزير:

"أن تكون تلك هي النازيّة، فـ[الجوابُ] نعم. لكنّهم قبل أن يكونوا ضحاياها، قد كانوا شركاءها. وهم تسامحوا مع هذه النازيّة قبل أن تُفرضَ عليهم. وهم برّأوها. وهم غضّوا النظرَ عنها، وشرّعوها، لأنّها لم تكن تطبَّقُ حتى ذلك الوقت إلّا على الشعوب غير الأوروبيّة. وهم غذّوا تلك النازيّة. وهم مسؤولون عنها. [هذه النازيّة] قبل أن تَشْمل صرحَ الحضارة الغربيّة المسيحيّة بمياهها المحمرّة قد سبق أن رَشَحَتْ وتسرّبت وسالت من كلّ صدع!"

كاليفورنيا

ايّاد قيشاوي

ناشط فلسطينيّ، وعضو اللجنة التنسيقيّة لمنظّمة العودة (تحالف حقّ العودة الفلسطينيّ). 

سماح إدريس

رئيس تحرير مجلة الآداب الورقيّة (1992 ـ 2012) والإلكترونيّة (2015 ـ...). له كتابان في النقد الأدبيّ، وأربعُ رواياتٍ للناشئة، وإحدى عشرة قصّة مصوّرة للأطفال، وعشراتُ الدراسات والمقالات والكتب المترجمة. عضوٌ مؤسِّسٌ في "حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان" (2002 ـ ...). ينتهي خلال أعوام من إنجاز معجم عربيّ  ضخم صادر عن دار الآداب.

كلمات مفتاحية