نحو بديل فلسطيني مقاوم، ومستقبلٍ تحرّري
03-02-2021

 

عشيّةَ الإعلان عن قيام انتخابات سلطة الحكم الذاتيّ، من المجلس التشريعيّ الى العرش الرئاسيّ، أصدرتْ مؤسّساتٌ فلسطينيّةٌ عديدة، بينها "ائتلافُ حقّ العودة" في الولايات المتحدة،[1] بياناتٍ تطالب بمقاطعة "ديمقراطيّة" الحكم الذاتيّ الزائفة.

بيانُ "ائتلاف حقّ العودة" ناشد الشعبَ الفلسطينيّ بأجمعه تثبيتَ وحدة الهويّة الفلسطينيّة، ورفْضَ شروط السلطة المستبدّة (المفروضة على ثُلث شعبنا المقيم على خُمس أرضنا). كما شجَبَ دورَ هذه السلطة الوظيفيّ في استكمال الاستعمار الاستيطانيّ العنصريّ للحركة الصهيونيّة الإجلائيّة.

والواقع أنّ حركاتٍ شعبيّةً مناضلةً فلسطينيّةً كثيرةً ترى أنّ مؤسّسة الحكم الذاتيّ الفلسطينيّ تجسِّد ممارسةَ الاستعمار الجديد، وتَخدم كيانَ العدوّ، مثلما خدم جيشُ لبنان الجنوبيّ (تحت "قيادة" سعد حدّاد وأنطوان لحد) مَن خانوا المقاومةَ والعروبةَ والدولةَ الوطنيّة بعد احتلال لبنان بين العاميْن 1978 و2000.

وطالب بيانُ "ائتلاف حقّ العودة" بما يأتي:

- الإطاحة بكلّ المؤسّسات التي انبثقتْ من مسار مدريد-أوسلو الخيانيّ.

- استقالة اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة التي أصبحتْ شكليّةَ وامتدادًا لسلطة الحكم الذاتيّ وتقدّم الغطاءَ السياسيَّ "الوطنيّ" لمسلسل تنازلاتها.

- إعادة تثبيت كلّ المواد المحذوفة من الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ النابع من مؤسّسات شعبنا الوطنيّة الديمقراطيّة.

- انتخاب مجلس وطنيّ جديد يشمل كلَّ قطاعات الشعب الفلسطينيّ في أراضي فلسطين المحتلّة عاميْ 1967 و1948، بما فيها قطاعُ غزّة الصامد تحت حصارٍ طال 15 عامًا حتّى اليوم، وجميعَ فلسطينيّي المنفى في المخيّمات وتجمّعات الغربة.

- إشراف المجلس الوطنيّ الجديد على عمل اللجنة التنفيذيّة، وإخضاعها لمرجعيّة الميثاق الفلسطينيّ، بعد إعادة تثبيت كافّة المواد التي حذفها العدوُّ بمساعدة طغمة عرفات وعبّاس الحاكمة.

***

على أنّ مبادرة "ائتلاف حقّ العودة" لم تأتِ من فراغ. فهي استرشدتْ بمبادرة اللجنة التحضيريّة لمؤتمر "المسار الفلسطينيّ البديل"[2] التي أعلنتْ عن انعقاد هذا المؤتمر في العاصمة الإسبانيّة، مدريد، في الذكرى الثلاثين لاتفاق مدريد المشؤوم (1991)، الذي مهّد لاتفاق أوسلو (1993). فالحقّ أنّ مسار مدريد-أوسلو ألغى الدورَ المقاومَ لمنظّمة التحرير وأحلّ محلَّه مشروعَ "الدولة،" وذلك أمام فوّهات بنادق الاحتلال الاستعماريّ الذي يدير كلَّ شؤون هذا الكيان الهشّ الفاقد لأيّ صلاحيّاتٍ سياديّة.

غير أنّ في صفوف شعبنا مَن لا يزال يأمل في "إصلاح" عصابة الفساد والتنسيق الأمنيّ مع العدوّ من خلال المشاركة في انتخاب طغمةٍ جديدة. لكنّ هذه الآمال ليست مبنيّةً على قراءةٍ منطقيّةٍ لحركات التحرّر العالميّة وتاريخِ الاستعمار الغربيّ لدول الجنوب. فعلى سبيل المثال استُعمِرت الهند في وجود 43,000 جندي بريطانيّ فقط، وقُسّمتْ بمساعدة طغمةٍ هنديّةٍ جُنِّدتْ خصّيصًا لقمع أعمال المقاومة بذريعة الحرص على "التقدّم" و"التمدُّن" و"مشروع الحكم الذاتيّ." وبعد الاستقلال سنة 1947 ساعدت البرجوازيّةُ الوطنيّةُ الاستعمارَ الجديدَ على تقسيم الهند وإجلاء ملايين الناس بحسب انتماءاتهم الدينيّة والمذهبيّة. كما طبّقت الإمبراطوريّةُ الفرنسيّة التي احتلّت هايتي والجزائر المعادلةَ ذاتَها تحت شعار "الانتماء الوطنيّ لأرض الأمّ." وأبادت بلجيكا شعبَ الكونغو بمساعدة عملاء من الداخل الأفريقيّ ووفقًا لذرائع مماثلة.

إنّ الاعتراف بثلث شعب فلسطين على 22% من الوطن هو مشروعٌ لتصفية القضيّة الفلسطينيّة، ويتقاطع مع مصالح سلطة الفساد والتنسيق الأمنيّ مع العدوّ إلى حين يُجلى أصحابُ الأرض الأصليّون، وبعدها يُطاح بكيان أوسلو الهزيل. لذا فإنّ المرحلة تتطلّب منّا أن نأخذ بزمام الأمور، وألّا ننتظر الكيانَ الصهيونيّ لإيصالنا إلى نقطة اللاعودة.

الشعب الفلسطينيّ اليوم يتعرّض لكافّة أشكال العنف من قِبل المستعمِرين وجنودِ العدوّ. غير أنّ السلطة "الوطنيّة" لا تحميهم، بل تقمع المقاومة وتساعد المستعمِرَ (بالتجسّس والعمل الاستخباراتيّ) على اعتقال قادتها؛ وهذا ما شهدناه في حالة المناضليْن أحمد سعادات ومروان البرغوتي، وفي حالة إعدام الشهيد باسل الاعرج. كما فشلت "السفارةُ" الفلسطينيّة في تحمّل مسؤوليّة حماية المناضل عمر النايف داخل مبناها في صوفيا (بلغاريا).

كلّ الطغم الحاكمة الاستبداديّة المدعومة إمبرياليًّا يهمُّها "أمنُ" العدوّ، وهي فاسدة بحسب معايير الدولة الوطنيّة. نرى ذلك لدى حكم الطاغية السيسي في مصر؛ وهو أيضًا ما شدّد عليه حكمُ العميل بشير الجميّل عند احتلال العدوّ لبنانَ سنة 1982، ويشدّد عليه أيضًا حكمُ ممالك دول الخليج ذات الأنظمة الرجعيّة. هؤلاء يسرقون ثرواتِ البلاد ويقمعون الحريّات، كما يفعل نظامُ محمود عبّاس. لذا حتى لو وُجدتْ "برلماناتٌ" و"انتخاباتٌ،" فلن تتمكّن أيُّ قوًى من أن تحقّق الإصلاحَ الحقيقيّ عن طريقها وحدها ما دامت الإمبرياليّةُ تفرض على هذه الدول، بالحديد والنار والمصالح، أن تبقى تابعةً لها. والطبقة التابعة تتصرّف وكأنها برجوازيّةٌ "مستقلّة،" ولكنّها في الحقيقة لا تتحكّم بوسائل الإنتاج ولن يقبل الاستعمارُ الجديد أن تؤمّم الخدمات ومواردَ البلاد المنهوبة.

حكمُ عبّاس لا يختلف عن حكم تلك النظم؛ بل هو أكثر هشاشةً، ويؤمّن قاطرةَ التطبيع العربيّ مع الكيان الصهيونيّ. فهو أمّن، تحييدَ قسمٍ من الشعب الفلسطينيّ، صاحبِ القضيّة الوطنيّة والقوميّة، عن الصراع العربيّ-الصهيونيّ لثلاثة عقود. لذا، فإنّ مجرّدَ "إصلاح" هذه المنظومة لن يسعَه إلّا "تلطيفُ" عنف الإجلاء اليوميّ الذي يتعرّض له شعبُنا.

لقد آن الأوان لأن نتبنّى مسارًا بديلًا واقعيًّا من الاستسلام، أو ما أطلق عليه إدوارد سعيد "اتفاقَ ڤيرساي الفلسطينيّ." لذا أدعو كلَّ مَن يقرأ هذه المقالة إلى أن يراجع أدبيّات "المسار الفلسطينيّ البديل،"[3] خصوصًا مطالبته قوى المقاومة بأن تكفَّ عن الانخراط في مؤسّسات أوسلو التي تقع على الهامش الوظيفيّ للمشروع الإمبرياليّ الصهيونيّ.

إذا أردنا الإصلاحَ الحقيقيّ فعلًا، فالخطوة الأولى تبدأ بإعادة تثبيت الميثاق الوطنيّ، والعودة إلى مؤسّسات الثورة المقاومة في سياق حركة تحرّر وطنيّ-ديمقراطيّ، والإصرار على وحدة هويّة الشعب الفلسطينيّ في الداخل والخارج من خلال إشراك جميع قطاعات شعبنا الباسل في صنع القرارات السياسيّة والماليّة والمقاوِمة.

كاليفورنيا

ايّاد قيشاوي

ناشط فلسطينيّ، وعضو اللجنة التنسيقيّة لمنظّمة العودة (تحالف حقّ العودة الفلسطينيّ).