انتفاضة الفلسطينيين في لبنان: بين المشكلة والحلّ
21-12-2016

 

 

منذ اللحظة التي وطئ فيها الشعبُ الفلسطينيّ أرضَ لبنان في العام 1948، إثر التشريد الذي تعرّض له على يد الحركة الصهيونيّة المسلّحة، يُعاني الفلسطينيون في هذا البلد العربيّ ظروفًا صعبةً ومركّبة، تفاقمتْ وتعّمَقتْ إلى درجة غير مسبوقة باتت تُهدّد قضيّتَهم ونسيجَهم الاجتماعيّ. وكان للسنوات الأخيرة، وما رافقها من تغيّرات هائلة عصفتْ بعموم المنطقة، أثرٌ مباشرٌ في الوجود الفلسطينيّ في لبنان. كما أنّ تراجعَ مكانة القضيّة الفلسطينيّة، واستمرارَ الدولة اللبنانيّة في سياسة العزل والتهميش بحقّ الفلسطينيين في لبنان، وتخلّي القيادة الفلسطينيّة عن دورها؛ كلّ ذلك دفعنا إلى "قرع جدران الخزّان" وطرحِ الأسئلة والبحث عن الحلول الممكنة للخروج من هذا المأزق المستعصي والقديم.

 

بعض الحقائق عن فلسطينيّي لبنان

عدد الفلسطينيين اللاجئين في لبنان المسجّلين لدى الأونروا 449,957. نصفُهم تقريبًا أصبح خارج الأراضي اللبنانيّة، ومعظمُ هؤلاء يعمل في دول الخليج، فيما لجأ آلافٌ ــــ مرّةً أخرى ــــ إلى أوروبا وغيرها.

ويعيش الفلسطينيّون في اثنيْ عشر مخيّمًا من أصل خمسة عشر؛ ثلاثةٌ منها جُرفتْ بعد سلسلة مجازر كانت أقربَ إلى التطهير العرقيّ، وهي مخيّمات: النبطيّة وجسر الباشا وتلّ الزعتر. وتجدر الإشارةُ هنا إلى وجود تجمّعات فلسطينيّة لا تزال خارج نطاق خدمات الأونروا والدولة اللبنانيّة على حدّ سواء!

وبحسب "مركز الزيتونة للدراسات" في بيروت، فإنّ 60% من فلسطينيّي لبنان تعود جذورُهم إلى منطقة الجليل في فلسطين المحتلّة، 28٪‏ منهم تعود أصولهم إلى حيفا، و11%‏ لجأوا من مناطق يافا واللد والرملة، و2% من مدينة القدس والقرى المجاورة.

يشكّل الشبابُ أكثريّةَ اللاجئين. 65٪‏ منهم، ومن حملةِ الشهادات خصوصًا، يعانون الفقرَ والبطالة، ويُضطرّ ثلثُهم إلى قبول وظائف خارج مجال اختصاصهم في أعمال السخرة، فيكونون أيديَ عاملةً رخيصةً، بلا حقوق نقابيّة أو ضمانات اجتماعيّة وصحيّة. ويشير بعضُ التقارير إلى أنّ نسبة البطالة وصلتْ في مخيّمات لبنان إلى 23.2 %. ناهيك بعمالة الأطفال دون سن الرابعة عشرة، وتفشّي ظاهرة التسرّب المدرسيّ والمخدِّرات، وما ينجم عن ذلك من ظواهر اجتماعيّة مدمِّرة.

في السنوات الأخيرة، وصل عددُ اللاجئين الفلسطينيين الفارّين إلى لبنان من ويلات الحرب في سوريا نحو 80 ألفًا، اضطُرّ نحو 20 ألفًا منهم إلى السكن في مخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، بحسب تقدير "مجموعة العمل من أجل فلسطينيّي سورية." وتشير التقارير إلى أنّ أكثر من 100 ألف فلسطينيّ لاجئ يعيشون في هذا المخيّم المحاصر، الذي لا تتجاوز مساحتُه كيلومترًا مربّعًا واحدًا.

مطرقة القوانين العنصريّة

تَحرم الدولةُ اللبنانيّةُ فلسطينيّي لبنان حقوقَهم المدنيّة والاجتماعيّة والسياسيّة؛ وأهمُّها: حقُّ التملّك، وحقُّ العمل.

ففي العام 1982 أصدر وزيرُ العمل والشؤون الاجتماعيّة في لبنان الدكتور عدنان مروّة قرارًا حكوميًّا يمنع الفلسطينيّين من مزاولة 24 مهنة. وبالتدريج وصل عددُ هذه "المهن المحرّمة" إلى أكثر من 75. هذا القرار في تلك الفترة كان واحدًا من سلسلة قراراتٍ تعسّفيّة أخرى طاولتْ حقَّ التنظيم وبناء المؤسّسات الاجتماعيّة والأهليّة، وحقَّ التظاهر والمشاركة السياسيّة، وحقَّ التعبير. كلّ ذلك كان بعيْد خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان عقب الغزو الإسرائيليّ، وما تبع ذلك من خروج أجهزة منظّمة التحرير الفلسطينيّة ومؤسّساتها.

وفي العام 1991 أصدرت الحكومةُ اللبنانيّةُ قرارًا يمنع دخولَ موادّ البناء إلى المخيّمات الفلسطينيّة، وأعطت وكالةَ الأنرو توجيهاتٍ صريحةً بعدم ترميم البُنى التحتيّة في المخيّمات التي أنهكتها الحربُ الأهليّة والحروبُ الإسرائيليّة المتعاقبة. هذا القرار السياسيّ سمح للوكالة المذكورة بالتحلّل من مسؤوليّاتها، وبعدم تنفيذ خطط الترميم والإعمار ــــ خصوصًا حيال البيوت الآيلة إلى السقوط على رؤوس قاطنيها.

 ولم تكتفِ الدولةُ اللبنانيّة بالقرار المذكور، رغم أنّ الوجود الفلسطينيّ تضاعف في لبنان إلى 300 % تقريبًا. فقد أصدر مجلسُ النوّاب اللبنانيّ، في مارس 2001، تشريعًا جديدًا يحرم الفلسطينيَّ حقَّ التملّك بذريعة "حماية الفلسطينيّ من التوطين وضياعِ هويّته الوطنيّة"!

وواصلت الحكوماتُ اللبنانيّةُ المُتعاقبة سياسةَ فرض القوانين العنصريّة التي تُميّز ضدّ الفلسطينيين وتحرمهم حقوقَهم الإنسانيّة. وذهبتْ إلى حدّ فرض حصار أمنيّ واقتصاديّ وثقافيّ خانق على المخيّمات بأشكال مختلفة: يبدأ من إقامة الحواجز والأسلاك الشائكة، ولا ينتهي بمحاولة استنساخٍ رخيصةٍ (أخفقتْ حتى الآن)  لجدارِ فصلٍ عنصريّ حول مخيّم عين الحلوة يحاكي جدارَ الفصل العنصري الذي أقامته دولةُ الاحتلال الإسرائيليّ في فلسطين المحتلّة.

سياسةُ العزل والتهميش الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ التي احترفها النظامُ الطائفيُّ اللبنانيّ في حقّ الفلسطينيين، وعلى أساس طبقيّ وهويّاتيّ، تتذرّع بمقولاتٍ فارغة عن "محاربة الاٍرهاب" و"التخلّص من البؤر الأمنيّة." وحقيقة الأمر أنّ المخيّمات الفلسطينيّة أحزمةُ بؤسٍ تحتضن قاعَ الطبقات الفقيرة المسحوقة في لبنان من الجنسيّات كافّةً. أما حفنةُ المجرمين، المنتسبين هم أيضًا إلى جنسيّات مختلفة، فقد صنعتْ بعضَهم الأجهزةُ الأمنيّةُ اللبنانيّةُ والعربيّة وعددٌ من المتموّلين.

 

سكّينُ الوكالة

ما يسمّى "المجتمع الدوليّ" خذل الشعبَ الفلسطينيَّ طوال السنين السبعين الماضية، أيْ منذ تأسيس "وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (الأونروا) التي يُفترض أن تتحمّلَ مسؤوليّاتها تجاه اللاجئين إلى أن يعودوا إلى وطنهم. وبعد تجربة قاسية يدرك اللاجئُ الفلسطينيُّ حجمَ الفساد الذي يستشري في هذه المؤسّسة الدوليّة، ومدى تورّطها السياسيّ في استمرار معاناته.

وبالرغم من سوء الخدمات التي تقدّمها "الوكالة،" ولا سيّما في قطاعَي الصحّة والتعليم، وفي ظلّ غياب البديل الوطنيّ والقوميّ للوكالة، فإنّ الفلسطينيّين يُضطرّون إلى رفع الصوت عاليًا ضدّ سياسة تقليص الخدمات التي باتت سياسةً منهجيّة، الأمرُ الذي يعزّز القناعة لديهم بأنّ المستهدف الحقيقيّ من ذلك هو: شطبُ حقّهم في العودة.

 

المسؤوليّة الفلسطينيّة الرسميّة

على أنّ المسؤوليّة الأساس في كلّ ما حدث ويحدث تقع على عاتق المؤسّسة الفلسطينيّة الرسميّة التي صدعتْ رؤوسَنا باعتبارها "الممثّلَ الشرعيَّ والوحيدَ للشعب الفلسطينيّ." ونعني بها: منظّمة التحرير الفلسطينيّة، التي تخلّت، وبشكل شبه كامل، عن مسؤوليّاتها إزاء الفلسطينيين عمومًا، واللاجئين ــــ خصوصًا ــــ في لبنان وسوريا والأردن، بل داخل فلسطين المحتلّة نفسها.

فمنذ خروج المنظّمة من لبنان في العام 1982، بدأتْ بالخروج التدريجيّ الفعليّ من حياة الفلسطينيين أيضًا، حتّى أصبحتْ وجودًا رمزيًّا... وبعضَ المؤسّسات والمكاتب الفارغة. العلاقة العمليّة الوحيدة الموجودة الآن، بين المنظّمة واللاجئين الفلسطينيين في لبنان، هي "نظامُ المخصَّصات الشهريّة" التي يذهب ٩٠٪‏ منها إلى عناصر أمنيّة وأجهزة تابعة لحركة "فتح" (حزب السلطة الفلسطينيّة). أمّا القرار الرسميّ السياسيّ الفلسطينيّ فهو رهينةُ "سفارة دولة فلسطين،" وهذه الأخيرة مرجعيّتُها وزارةُ الخارجيّة الفلسطينيّة ومقرُّ "المقاطعة" في رام الله، لا مخيّمُ شاتيلا أو مخيّمُ نهر البارد أو غيرُهما من المخيّمات الفلسطينيّة!

إلّا أنّ نقدَ السلطة وحزبِ السلطة لا يعفينا من توجيه النقد أيضًا إلى "فصائل العمل الوطنيّ والإسلاميّ" كافةً، أكانت داخل منظّمة التحرير أمْ خارجها. وحالة التخلّي، هذه، صاحبَتْها حالةٌ من الفوضى ساهمتْ في تكاثر "المرجعيّات،" وبعضُها لا دور له إلّا كتابة "التقارير" وتقديمُها إلى مخابرات الجيش.

هذه الأسباب وغيرها فتحت المجالَ واسعًا أمام ولادة جماعاتٍ مسلّحةٍ لا علاقةَ لها بأهداف المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ التحرّريّ، بل هي أقربُ إلى العصابات المأجورة التي تخدم مصالحَ أطرافٍ سياسيّة لبنانيّة وإقليميّة ودوليّة.

اليوم، يشعر الفلسطينيون في لبنان أنّ منظّمة التحرير، التي شيّدوا مؤسّساتِها واتّحاداتِها الشعبيّةَ والنقابيّة، النسويّةَ والطلّابيّةَ والعسكريّة، وقدّموا كلَّ ما لديهم في معركة الدفاع عن وجود الثورة وحماية البندقيّة الفلسطينيّة، قد تركتهم كالأيتام في العراء، لا ظهرَ لهم ولا صوت. فقد "اختَطفتْ" هذه المنظّمةَ عصابةٌ فلسطينيّةٌ صادرتْ كلَّ المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ لتأمين مصالحها وامتيازاتها الصغيرة في رام الله المحتلّة القابعة تحت بساطير الاحتلال.

ما الحلّ؟

الحلّ الطبيعيّ، ببساطة، هو أن تقرّ السلطةُ اللبنانيّة بكامل حقوق الفلسطينيين المدنيّة والسياسيّة، وأن يتوقّف التمييزُ العنصريّ الممنهج، وذلك بإلغاء القوانين والتشريعات التي تسلب الفلسطينيين حقوقَهم الإنسانيّة. أمَا وقد تعذّر الوصولُ إلى هذا الحلّ طوال سبعة عقود من اللجوء، فلم يعد أمام أبناء المخيّمات وبناتِها إلّا طريقُ الانتفاضة على هذا الواقع المرير، في الشوارع والميادين والساحات العامّة، ومن خلال حركة شعبيّة مدنيّة يقودها الشبابُ الفلسطينيُّ واللبنانيُّ، الحريصُ على لبنان وفلسطين معًا.

إنّ انتفاضة الفلسطينيين المدنيّة في لبنان، من أجل حقوقهم، هي مصلحة لبنانيّة أيضًا. ذلك لأنّ انتزاع الفلسطينيّ اللاجئ لحقوقه المدنيّة والسياسيّة والثقافيّة يشكّل عاملَ تغييرٍ ثوريّ ديمقراطيّ في النظام السياسيّ اللبنانيّ نفسه: إذ يسهم في نقله من دولة الطوائف والأثرياء إلى دولة العدالة الاجتماعيّة والمساواة، وينقل "الحوارَ اللبنانيّ ــــ الفلسطينيّ" من الحيّز الأمنيّ والطائفيّ الضيّق إلى فضاء إنسانيّ تقدّميّ عصريّ وحديث.

ليس المقصود بالانتفاضة الفوضى أو العنف، بل حركة شعبيّة منظّمة وسلميّة، تشارك في صياغة أهدافها وشعاراتها الناظمة كلُّ المؤسّسات والتجمّعات الشعبيّة والمبادرات والمنظّمات الشبابيّة، عبر ممارسة مختلف أشكال العصيان المدنيّ داخل المخيّمات وفي المدن والمناطق اللبنانيّة وصولًا إلى العاصمة بيروت.

إنّ "التضامن" اللبنانيّ الفعليّ، لا الشعاراتيّ، مع الشعب الفلسطينيّ عليه أن يمرّ من المخيّمات، وبالانتصار لحقوق الفلسطينيين في لبنان. وهذا يشترط دعمَ النضال المطلبيّ الفلسطينيّ بالغاء القوانين العنصريّة وتعزيز النضالات المشتركة من أجل كسر حالة العزل بين المجمتع اللبنانيّ والفلسطينيين في المخيّمات.

بلجيكا

محمد الخطيب

منسق "شبكة صامدون" في اوروبا.