تونس: الإسلام السياسيّ ونصف قرن من الهروب
10-10-2019

 

تتزامن لحظةُ كتابة هذا المقال مع إجراء الانتخابات التشريعيّة في تونس، وهي الانتخابات الثالثة بعد ثورة 14 كانون الثاني (جانفي). وبحسب النتائج الأوليّة، فإنّ "حركة النهضة الإسلاميّة" حازت المرتبةَ الأولى، أمّا رابعًا فحلّ "ائتلافُ الكرامة" الذي يُحسب بدوره على الشقّ الإسلاميّ، الغاضب من "النهضة." كما تشير النتائجُ إلى فوز "حزب الرحمة" ذي المرجعيّة السلفيّة بثلاثة مقاعد في البرلمان القادم. وإذا جمعنا نِسَبَ كلّ هذه الأطراف، فسنجد أنّ أكثرَ من ثلث العدد الجمليّ لم يخرج عمّن يمثّلون تيّارَ الإسلام السياسيّ في تونس.

تجدر الإشارة إلى أنّ "النهضة" كانت في المرتبة الأولى في انتخابات المجلس التأسيسيّ سنة 2011، والثانية في انتخابات مجلس الشعب سنة 2014. ولئن تراجع عددُ المصوِّتين لها تراجعًا ملحوظًا مقارنةً بالاستحقاقيْن الفارطيْن، فإنّ ما يُحسب لها هو حفاظُها على المراتب الأولى، ونجاحُها في مقاومة الانشقاق الذي حدث لأغلب الأطراف السياسيّة في تونس منذ سنة 2011.

ومقارنةً بما يحصل للإسلام السياسيّ في المشرق والمغرب، فإنّ الحالة التونسيّة فريدةٌ من نوعها. فهنا، يختفي التنازعُ الطائفيّ (العراق ولبنان نموذجًا)، والعاملُ القبَليّ (الإسلاميّون وتمترسهم بحسب المناطق في ليبيا)، وتختلف صبغةُ النظام السياسيّ (الملَكيّة في المغرب والمحاصصة الطائفيّة في لبنان). إضافةً إلى أنّ تونس لم تكن يومًا ساحةَ حربٍ مسلّحة، مقارنةً بغيرها من الأقطار.

في المقابل تَحْضر أمور أخرى سنعمل على شرحها في هذه المقالة. لكنْ قبل ذلك وجبَ إعطاءُ لمحة تاريخيّة عن تطوّر الإسلام السياسيّ في تونس مرحليًّا.

المرحلة الأولى: "مرحلة المسجد." ابتدأتْ بالستينيّات، وتُوّجتْ في العام 1969 بتأسيس "الجماعة الإسلاميّة" ذاتِ الطابع الدعويّ. حينها، لم يحصل أيُّ تصادم مع النظام البورقيبيّ.

المرحلة الثانية: مرحلة "الساحات." بدأتْ سنة 1972 إثر ما سُمّي "اجتماع الأربعين" في الضاحية الجنوبيّة لتونس، وجرى تغييرُ الاسم إلى "حركة الاتجاه الإسلاميّ." وتطوّرتْ هذه المرحلة سنة 1981 بعد الظهور العلنيّ، لكنّها انتهت بالتصادم العنيف مع النظام، ولجوءِ القيادات الكبرى فترةَ التسعينيّات إلى الخارج؛ بينما انشقّت قياداتٌ أخرى محسوبةٌ على اليسار الإسلاميّ عن الحركة.

المرحلة الثالثة: مرحلة السلطة. بدأتْ بعد العام 2011، إثر حصول حركة النهضة على الأغلبيّة في البرلمان وتشكيلها للحكومة.

اليسار الإسلاميّ، الذي لم "يتُبْ" بعد الثورة، ظلّ يسير على حافّة التيّار التقليديّ، فركنَ إلى الكتابة والتأصيل لخياراته - - حينًا من خلال "منتدى الجاحظ" الذي يديره مَن يسمّون أنفسَهم "الإسلاميّين التقدميين،" وأحيانًا من خلال الكتب التي نشرها كلٌّ من أحميدة النيفر (الإنسان والقرآن وجهًا لوجه) وصلاح الدين الجورشي (الإسلاميّون التقدميون في تونس) ومحمد القوماني (ما بعد العلمنة والأسلمة)، توازيًا مع أطروحات المفكر المصريّ حسن حنفي، رائدِ هذا التيّار. وفي أحيان أخرى لعب هؤلاء دور رجال المطافئ من خلال تفسير خيارات قياديّي "النهضة" وشرح علاقاتهم ببقيّة الأطراف السياسيّة، مستثمرين معرفتَهم العميقة بطريقة تفكير العقل الإسلاميّ.

 

اللعب على وتر الهويّة

لا تُمْكن دراسةُ أيّ ظاهرة سياسيّة راهنة في المغرب العربيّ من دون المرور بمحطّة مهمّة متمثّلة في 14 كانون الثاني (جانفي) 2011، التي انتهت بهروب الرئيس التونسيّ الأسبق زين العابدين بن علي، وبحلّ حزب التجمّع الدستوريّ الديمقراطيّ الذي كان الحزبَ الأوّلَ والأوحد في البلاد. وقد حصل ذلك نتيجةً لهبّة شعبيّة أجّجها ناشطون سياسيّون وحقوقيّون معارضون. وكانت الأسباب الدافعة إلى ذلك اجتماعيّةً وحقوقيّةً بحتة، كالمطالبة بالتنمية والتشغيل وتوفير مناخ جيّد من الحريّة.[1]

بعد عودة المعارضين من المهجر، نظّمت العائلاتُ السياسيّة صفوفَها جيّدًا، وحصلتْ على تأشيرة النشاط. من ذلك أنّ الاتجاه الإسلاميّ انتظم في حزبٍ سمّاه "حركة النهضة" بتاريخ الأوّل من مارس (آذار) 2011. والواضح أنّ الوجوه القديمة في الحركة الجديدة عادت إلى تونس متعطّشةً إلى السلطة - - وهو ما تؤكّده تصريحاتُها وحواراتُها في الإعلام.

 

الوجوه القديمة في الحركة الجديدة عادت إلى تونس متعطّشةً إلى السلطة

 

وبينما حاولت الأحزابُ الشيوعيّة والقوميّة البحثَ عن برامج اقتصاديّة بديلة على الرغم من إمكانيّاتها اللوجستيّة الهشّة، فإنّ حركة النهضة استغلّتْ تعاطفَ الجماهير مع قادتها الذين كابد بعضُهم العذابَ زمنَ بن عليّ، وعمدتْ إلى خطاب عاطفيّ خاطبتْ به التّونسيين، الذين كانوا في أغلبهم مغيَّبين عن الحياة السياسيّة بسبب هيمنة الحزب الواحد أكثر من خمسة عقود. هنا يمكن الجزمُ أنّ خطاب الإسلام السياسيّ في تونس كان مبنيًّا على المظلوميّة، والاستثمار في دور الضحيّة.

ونتيجةً لهذا الخطاب العاطفيّ في الفترة الموالية للثورة، سادت في الوعي الجمعيّ الشعبيّ عباراتٌ مثل "برج الرومي"[2] و"السيلون،"[3] وكلّها مرتبطة بما سبّبه نظامُ بن علي من معاناة لقيادات التيّار الإسلاميّ.

الإعلام كان له دورٌ مهمٌّ في كلّ هذا، إذ جرى الزجُّ بمواضيع "هوويّة" ودينيّة لا علاقة لها بمطالب التونسيين الحقيقيّة. فعوضًا من الحديث عن إنشاء المصانع ومساعدة خرّيجي الجامعات في إيجاد مواطن شغل وغير ذلك من شعارات شباب الثورة، أضحى الحديثُ متعلّقًا بمسائل جانبيّة رجعيّة - - كتعدّد الزوجات، واعتبار "صوت المرأة عورة."

هذه العودة الاصطلاحيّة إلى "الصحراء" ساهمتْ فيها قنواتٌ إذاعيّة وتلفزيّة وصحفٌ مختلفة، كـ الفجر، والضمير، الإسلاميّتين. ومعلوم عن الحركة الإسلاميّة تعويلُها الدائم على الإعلام منذ النشأة الأولى، حين ظهرتْ جريدة المعرفة، وتلتها تجاربُ كثيرة أخرى أشرف عليها قياديّون كراشد الغنوشي وعبدالقادر بن سلامة وعامر العريّض.

وإذا كانت الحركات الإسلاميّة (الدينيّة عمومًا) في الأقطار العربيّة الأخرى تذهب دائمًا إلى نظريّة "المؤامرة" لتجد مخرجًا لأزماتها ولتعيدَ نفسها إلى المشهد المتعدّد، فإنّ الحركة الإسلاميّة في تونس لجأتْ إلى نظرية المؤامرة لتتغوّل في المشهد الواحد. ففي تونس لا تُثار النعراتُ الإثنيّة والعرقيّة نظرًا إلى طبيعة النسيج الاجتماعيّ المتجانس والمتسامح؛ وهذا ما جعل الإسلاميّين يضطرّون إلى ترويج "نظريّة المؤامرة" المتمثّلة في الخوف على الإسلام من "العلمانييّن" - - وهو خطابٌ لقيَ نجاحًا كبيرًا لدى العوام.

مصطلح "العلمانيّة،" إلى جانب "اللائكيّة،" حضر كثيرًا في البلاتوهات التلفزيّة، وفي الاجتماعات الجماهيريّة، لدمغجة الناس وتأليبهم على الذين قارعوا الخطابَ الدينيّ الزائف بالفكرة والحجّة. ونتيجةً لذلك حصلت اعتداءاتٌ كثيرة على مثقفين ومفكّرين، كانوا هم أيضًا كافحوا ضدّ بن عليّ.

وقد نجح الإسلامُ السياسيّ في صناعة "أعداء" له لاستمالة البسطاء الخائفين على موروثهم الدينيّ. على سبيل المثال، يذكر كاتبُ المقال أنّه حين كان طالبًا خرجتْ مسيرةٌ طلّابيّة غفيرة مندّدة بعرض فيلم بيرسبوليس[4] على قناة نسمة بحجّة اعتدائه على المقدّسات الإسلاميّة. وقاد تلك المسيرةَ وجوهٌ من الجناح الطلّابيّ لحركة النهضة مستعملين خطابًا قائمًا على الخوف من الفنّ والشذوذ الذي يهدّد الدين ومناديًا بإغلاق القناة.

 

السّلطة والتناقض الصارخ

صحيح أنّ الخطاب الذي أوصل حركةَ النهضة إلى الحكم كان هوويًّا بحتًا، وقد ترجمه بوضوح أوّلُ خطاب لرئيس حكومتها حمادي الجبالي حين أعلن "الخلافة السادسة" (جرى تدارك ذلك لاحقًا واعتباره زلّةَ لسان). إلّا أنّ "النهضة" الحاكمة لا تشبه "النهضة" المعارضة. وهذا ما اكتشفه العديدُ من أنصارها بعد سنوات من حكم الترويكا،[5] وانتهى بتخلّيهم عنها في الاستحقاقات الموالية - - ما أفقدها المرتبةَ الأولى في انتخابات 2014.

 

النهضة الحاكمة لا تشبه النهضة المعارضة

 

الخطاب "النهضويّ" القديم اختفى مباشرة بعد الصعود إلى السّلطة. فـ"النهضة" التي كانت تتبّجح بعلاقتها المتينة مع حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس) - التي تنحدر من التيار السياسيّ نفسه - منعتْ تمريرَ قانونٍ يجرِّم التطبيع مع الكيان الصهيونيّ على الرغم من كلّ الاحتجاجات الشعبيّة على الأمر.

وعلى العكس، فقد "اعتدلت" القياداتُ اليمينيّة وصارت صديقةً للغرب الذي كانت تنعته بالاستعمار سابقًا. فرئيس الحزب راشد الغنوشي، العائد من لندن، والذي كان في كتاباته في مجلة المعرفة يسمّي أمريكا "الشيطان الأكبر،" تصالح مع محور الشرّ وزار واشنطن ليُحاضر فيها. ثمّ إنّ حركته استقبلتْ قياداتٍ أمريكيّة وأوروبيّة فاعلة ورحّبتْ بها؛ ومن ذلك العناق الشهير بين حمادي الجبالي والسيناتور الأمريكي جون ماكين.

ولأنّ "النهضة" صارت تقفز بين المحاور مخافةَ الوقوع، فقد أصيبت العلاقةُ الوطيدة مع إيران (التي كانت تُسمّى "بلد الثورة الإسلاميّة" في الأدبيّات القديمة) بجفاءٍ واضح بعد اختلاف المواقف السياسيّة، وهروب إسلاميّي تونس إلى المحور المقابل منذ إقامة قياداتهم في عواصم القرار الدوليّ.

خارجيًّا أيضًا، يلحظ كلُّ متابع للمشهد السياسيّ في تونس في العقد الثاني من الألفيّة الجديدة ظاهرةَ "الأتركة." وتمثّلتْ في استيراد النموذج التركيّ الأردوغانيّ، والسعي إلى تطبيقه في تونس نتيجةً للعلاقة المهمّة بين "حزب التنمية والعدالة" في تركيا و"النهضة" في تونس. هذا التواصل الشديد أدّى إلى تطابق كلّيّ في المواقف والخيارات، وإلى توحيد الأنصار في البلدين. ولا شكّ في أنّ الملاحظين أيقنوا ذلك في كلّ محطّة سياسيّة شهدتها أنقرة، كالانتخابات البلديّة أو التشريعيّة ومدى مراقبتها من إسلاميّي تونس. أو لنا أنْ نستشهدَ بردود الأفعال الإسلاميّة بعد محاولة الانقلاب في تركيا صيف عام 2016.

أما داخليًّا، فقد نسيت "النهضة" خلافاتِها الجذريّةَ مع خصوم الأمس الذين كادوا أنْ يصبحوا أعداءً،[6] ليذهب راشد الغنوشي برفقة الباجي قايد السبسي، رئيس "نداء تونس،" إلى باريس في آب (أوت) 2014، حيث كان الاجتماع الفيصل الذي تقرّرتْ فيه نتيجةُ الانتخابات اللاحقة.

كلّ هذا كان لأجل الحصول على اعتراف دوليّ يشهد بمدنيّة "النهضة،" في وقت تقوم فيه أمريكا بتصنيف أحزاب إسلاميّة في أقطار أخرى على لائحة الإرهاب - - ومن ذلك تنظيم الإخوان المسلمين في مصر.

لكنّ الواضح دائمًا هو هروبُ ممثّلة التيار الإسلاميّ من جلدها وانسلاخها عنه، لأنّه بان بالكاشف أنّ "النهضة" تقدّم خطابًا متعدّدًا لا مزدوجًا فقط: خطابًا للأنصار، وخطابًا للمطبخ الداخليّ، وخطابًا للحلفاء، وخطابًا للخصوم، وخطابًا للخارج.

 

الهروب المستمرّ

الإسلام السياسيّ في تونس حالة نادرة، لا مقارنةً بالأحزاب الإسلاميّة في الوطن العربيّ والعالم فحسب، بل مقارنةً بالأحزاب الدينيّة في العالم أيضًا.

النهضة الجديدة في تونس حزب إسلاميّ بخيارات يمكن وصفُها حينًا بالدائمة التغيّر، وحينًا آخر بالغامضة والفجئيّة.

لا يمكن توقّع تحالفات "النهضة" وقراراتها السياسيّة. فالعقل الغنّوشيّ بإمكانه أنْ ينسلخ ويتراجع ويقترح ويوافق ويفرض ويرفض في اليوم الواحد. وله أنْ يساير المتشدّدين والوسطيين والمتحرّرين في آن!

النهضة الجديدة استبعدتْ أصحابَ الخطاب المتشدّد (الصادق شورو والحبيب اللوز) بطريقة خفيّة، فتواروْا عن الأنظار نهائيًّا. والحركة التي كانت ترفض الخطابَ العلمانيّ لحظةَ بدايات العودة إلى المشهد صارت تقيم الحفلات، وتستضيف الفنّانين، وتضمّهم إلى قواعدها.

كما أنّ "النهضة" التي كان قياديّوها يرتدون الزيَّ الدينيّ، مواكبةً لـ"الجهاد الأفغانيّ" ضدّ الشيوعيين السوفيات، تخلّت عن الأمر نهائيًّا، وارتدت ربطاتِ العنق، وصارت نساؤها لا يُجبرن على ارتداء الحجاب والجلباب (القياديّة سعاد عبدالرحيم وغيرها كثيرات). والمؤكّد أنّ عمليّة التحديث متواصلة، وقد تنتهي بانقلاب الحركة على نفسها، والانتهاء إلى الهروب الكبير.

تونس

 

[2]  سجن برج الروميّ: سجن تعرّض فيه الإسلاميّون إلى عمليّة تعذيب كثيرة.

[3]  السيلون: السجن الانفراديّ.

[4]  هو فيلم كرتون من إخراج مرجان ساترابي، وهي مخرجة إيرانيّة. عُرض في مهرجان كان في أيّار (مايو) 2007، ويحكي عن فتاة متحرّرة عاشت ظروفًا قاسيةً مع اندلاع ثورة العام 1979 في إيران. وقد عرضت قناة نسمة التونسيّة الفيلم في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2011، فخرج عدد من المحتجّين في تونس ضدّ ما وصفوه بتعدّي الفيلم على الذات الإلهيّة. فهوجم منزل نبيل القروي، مدير قناة نسمة، مساء 14/10، ما أجبر القناة على الاعتذار إلى الشعب لبثّها الفيلم.

[5] حكومة حزب حركة النهضة، مع حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، وحزب التكتل الديمقراطيّ من أجل العمل والحريّات.

[6] لنا أن نعود إلى تصريحات كثيرة لقياديين كبار مثل الصحبي عتيق، ووليد البناني، والصادق شورو، وحبيب اللّوز.

رياض عمايرة

كاتب صحفيّ، وباحث في الحضارة والأديان المقارنة من تونس. وُلد في العام 1992.