حكاية نمرٍ هاجَرَ صوبَ مدينةٍ جنوبيّة
30-04-2021

 

جاءني شاخصًا ببصره وكأنّ الأرضَ رَجَّت به رجًّا:

- هل رأيتَه؟

- مَن؟

- هو.

- مَن هو؟

- الذي مرَّ أو سيمرُّ من هنا.

- مَن هذا الذي مرَّ أو سيمرُّ من هنا؟!

عبس فيَّ يائسًا، ثمَّ أدبر إلى أقرب ناصيةٍ من هذا الشارع الترابيّ الطويل المملّ، ويداه تلوِّحان في الهواء كأنّهما تصارعانه، متفوّهًا بكلماتٍ لم أستوضحْها.

سألتُ نفسي وقد ارتضتْ أن تقفَ على الهامش وتصوِّرَ المشهدَ بعينٍ دامعةٍ ومستغربة:

- هل فعلتْ شمسُ الظهيرة فعلتَها؟

دقيقة أو دقيقتان من اختفائه. وقفتْ أمامي عجوزٌ من  الغابرين. هي عجوزُ العشّ القديم الموجود في محطّة القطار المتهالكة. ليس هنا مَن لا يَعرف أشهرَ عاداتها، وهي بيعُ الحظّ للعاثرين من البشر. وليس هنا مَن لا يعرف أنّها لا تَخرج من جحرها إلّا نادرًا.

رأيتُ عصاها الخشبيّة أطولَ من ظلّها المنكسر على شقوق البيوت المتداعية، ورأيتُ أسنانَها الصدئة تنمّ عن ضحكةٍ خبيثة:

- هل رأيتَه؟

- مَن؟

- هو.

- مَن هو؟

- الذي مرَّ أو سيمرّ من هنا.

- مَن هذا الذي مرَّ أو سيمرُّ من هنا؟!

أرادت أن تنبسَ بكلماتٍ لكنّها لم تفعل. زاد عبوسُها فيّ يائسةً، واستغشت ثيابَها البالية. توكّأتْ على عصاها ثم غاصت بين شقوق البيوت، مقنِّعةً رأسَها، لا يرتدُّ إليها بصرُها.

سألتُ نفسي، وقد ارتضت أن تقفَ على الهامش وتصوِّرَ المشهدَ هذه المرَّة بعينٍ حانقة ومتشفّية:

- أتمنّى أن تفعل شمسُ الظهيرة فعلتَها.

دقائقُ أخرى ولمحتُ من بعيدٍ أغلبَ سكّان هذه المدينة الجنوبيّة يهرولون في كلّ مكان، كأنَّهم حُمرٌ مستنفرةٌ فرَّت من قَسْوَرة.

- هل رأيتَه؟

- مَن؟

- هو.

- مَن هو؟

- الذي مرّ أو سيمرُّ من هنا.

- مَن هذا الذي مرّ أو سيمرُّ من هنا؟!

قالوا في صوتٍ واحدٍ، جهوريٍّ قاسٍ:

- هكذا أنت. كأنّك لستَ منّا.

أمسكتُ بركانَ الغضب كي لا ينفجر، كما يفعل ذاك الذي يحاول فتحَ قارورة الكوكاكولا. وصرختُ صامتًا:

- اصبرْ على ما يقولون؛ فأنتَ لا تملك في هذه الساعة الحارقة إلّا رباطةَ جأشك.

ثمَّ رأيتُهم كأنَّما غشيتْ أبصارُهم، لا يفقهون أيّ السبُلِ يسلكون: إشارات من أيدٍ بائسةٍ تتقاطع في فوضى. هذا هو السبيل. لا إنّما هذا. لا، لا، بل هذا.

ثمَّ تهامسوا في ذعرٍ شديد:

- أين؟ أين ذهب؟

- مَن؟

- هكذا أنت. أكيد أنتَ لستَ منّا.

تأمّلوني، بنظراتٍ مريبة، ثمَّ شدّوا أقدامَهم وانتشروا في الشارع الطويل المملّ، زرافاتٍ، زرافات.

ازددتُ يقينًا في هذه الظهيرة أنّ نشرةَ الأخبار التي يوزّعُها مركزُ الأرصاد الجويّة - الكائنُ في المدينة الشماليّة - هي أشدُّ عداوةً للإنسان في هذه المدينة الجنوبيّة. إنّها لا تستحيي وتصرّ على الكذب.

"نُعْلم أهلَنا في المدينة الجنوبيّة أنّ حرارةَ شمس هذا اليوم لن تتعدَّى بحوْل الله 40 درجة. ومع ذلك ننصحكم بالمكوث في البيت وشربِ الكثيرِ من المياه."

شيخ الحارة، التي فيها الشارعُ الطويلُ المملّ، كان يهشُّ بمروحته المصنوعة من سعف النخيل ما تبقّى من الذباب الأزرق. صرخ في المذياع وألقاه أرضًا، فتهشَّم:

- الداعرة. هذا افتراء. إنَّها تكذب. لماذا لا يقولون الحقيقة؟ إنّها تفوق 60 درجةً، وفي الظلّ أيضًا. إنَّها تجعل أنفَ البعير ينزف، فما بالكَ بنا نحن؟

ثمَّ سقط مغشيًّا عليه ولم ينزفْ ولم ينهضْ بعدها.

- نحن نعيش برحمة الله.

هكذا قالها لي والدي، ومن قبله جدّي، قبل أن تواريهما الشمسُ اللعينةُ-التراب.

إنّها ساعةُ الدوام المسائيّ، وقد أطلتُ المكوثَ في هذا الشارع الطويل المملّ، فلا بدّ لي من الرحيل. نظرتُ إلى عجلات سيّارتي الأربع، فوجدتُها قد عانقت الرملَ وعشقتْه وأبتْ فراقَه. فكرهتُ البركانَ ولعنتُ قارورةَ الكوكاكولا.

- الداعرة. إنّها لا تفتري ولا تكذبُ فقط، بل تستغبينا جميعًا أيضًا -- بشرَنا وحيوانَنا وزرْعَنا وأرضَنا وسماءنا.

لم أعِ ماذا أفعل. استسلمتُ، ثمَّ ركبتُ السيارةَ وأدرتُ المكيّفَ وعدَّلتُ المرآة كي أتبيَّنَ ما يحدث خلف السيّارة، إذ تناهت إلى سمعي جلبةٌ لم أستسغْها؛ فشمسُ هذا اليوم أوحت لنا بأشياءَ لا تنذرُ بخير.

وكان هو.

نعم هو.

تجلّى أمامي بلحمِه وشحمِه. كانت عيناه جاحظتيْن راعبتيْن، ولسانُه لا يستقرّ على حالٍ كمن يبحث عن مأوًى رطب، وبراثنُه  تتشبَّث بالرمل في عتوّ.

من هول الفاجعة وجدتُني أسائلُ نفسي وأجيبُها في آنٍ واحد:

- مَن؟

- الذي مرَّ أو سيمرُّ من هنا.

- مَن؟

- ألم تره؟

- نعم رأيتُه.

- أنا لا أصدِّق.

- بل صدِّقْ.

- أحقيقةٌ هو؟

- نعم. هو النمر.

- وماذا ستفعل الآن؟

- لا أعرف.

- إنّه النمر.

- وهل سبق أن رأينا نمرًا حرًّا طليقًا؟

- جاءنا ضيفًا.

السيّارة كأنَّها كرةٌ من الخيط في يده. وأنا كأنّي فأرٌ وسط علبةٍ حديديَّة.

- هل هو جائع؟!

- غاضب.

- ألم تعجبْه المدينةُ الجنوبيّة؟!

- أكيد.

دقائقُ قصيرة مضت كأنَّها الدهر. حاق بي عذابٌ مهيب. سبّحتُ واستغفرتُ طويلًا، ونطقتُ الشهادتيْن. أدركتُ شدّةَ خطئي في حقِّ نفسي وزوجتي وأولادي وجيراني من أهل الشارع الطويل المملّ. تذكَّرتُ أنّ مبالغَ ماليّةً لا تزال عالقةً في رقبتي. أيقنتُ أنّ الله أقرضني قرضًا حسنًا فلم أضاعفْه. وقبل أن ينفجر البركانُ كقارورة الكوكاكولا، انفجر دويُّ رصاصٍ في المكان.

بعينٍ دامعةٍ تحرقها قطراتُ العرق المنهمرة، رأيتُه يتهاوى فوق الرمال الملتهبة، فيرسم لوحةً مأسويّةً دامية. ورأيتُ أغلبَ سكّان المدينة الجنوبيّة يسارعون إلى حمله وقد غمرتْهم نشوةٌ وهستيريا من شدَّة السعادة. بل رأيتُ صغارَهم يلتقطون - بهواتفهم النقّالة - صورًا وفيديوهات سيلفي وهم يسلخونه كما تُسلَخ الأرانب.

كدحتُ في بأسٍ كي أثنيَهم عمّا يفعلونه، ليس رفقًا بهذا الحيوان المهاجِر فقط، بل لأنّني  قدَّرتُ البشرَ في هذا العالم أيضًا، وخشيتُ من تهكّمهم علينا لسنواتٍ طويلة. فزجروني، ودفعوني بعيدًا.

أحدُهم قال لهم:

- ما ضرَّ الشاةَ سلخُها بعد ذبحِها؟

وقال لي آخر:

- أنتَ لستَ منّا.

هززتُ رأسي أسفًا، ثمَّ جلستُ داخل سيّارتي أدخِّنُ بشراهة:

- أنا من هذه المدينة الجنوبيّة. لكنّني لستُ منكم.

الجزائر

 

 

محمد الكامل بن زيد

كاتب جزائريّ. مدير عامّ مجلة رؤى الثقافيّة الصادرة عن اتّحاد الكتّاب الجزائريين، فرع ولاية بسكرة. صدر له من الروايات: قصر الحيران، وهمس الهمس (2009)، والجنرال خلف الله مسعود – الأمعاء الخاوية (2014). وله من المجموعات القصصيّة: ممنوع الدخول (2001)، ونحتٌ جديدٌ لتمثالٍ أسود (2010)، والمشي خلف حارس المعبد (2013)، وقل لكم اهبطوا جميعًا (2011).