خبزٌ وسعيدٌ ومطر
04-04-2016

 

دخل سعيد المخبزة. لم يكن ينوي شراءَ خبز ـــ فهو يعلم جيّدًا أنّ جيبه خاوٍ؛ لكنّه دخل المخبزة كما يفعل الآخرون. ربّما فعل ذلك ليوهم نفسَه بأنّه من أصحاب المال، وبأنّه يمارس حياته كما يفعلون تمامًا. وضع السلّة أرضًا. في السلّة مطرقتُه، ومساميرُه، وملعقتُه الصّدئة، وأغراضٌ أخرى.

الرابعة من بعد الظهر موعدُ الخبز الأسمر الشهيّ يخرج من الفرن. الأيدي في حالة تأهّبٍ قصوى لالتقاط الأرغفة، وسعيد يرقبها تَعدّ النقود: أيدٍ لامعة طريّة لم تلامس فأسًا ولا رفشًا، تُمسك في تراخٍ بأوراق النقود الخضراء الكبيرة؛ وأيدٍ عليها بقايا سوادٍ فحميّ؛ وأيدٍ عليها بقعُ طلاءٍ استعصت على الصابون؛ وأيدٍ غزتْها خدوشٌ غائرة.

ما الذي جاء به إلى المخبزة؟

قبل يومين تفادى الردَّ على هاتف ابنته، طالبةِ القسْمِ النهائيّ. ربّما كان يعرف أنّ عبارة "كيف حالك يا أبي؟" قد تعني أيضًا "أريد شيئًا من المال." وربّما كان يعرف أنّ "كيف حالُكِ يا ابنتي؟" تقتضي تمهيدًا يسبقُها من قبيل: "ما زلتُ أبحثُ عن عمل." غير أنّه، لتفادي ذلك كلّه، استمع إلى سيمفونيّةِ وجعٍ عزفها هاتفُه المهترئ، موقَّعةً في بطءٍ كموكبِ عزاء، وتخيّلها وأذنها تُرهف السمعَ إلى جملة جنّيّة الهاتف تقول: "هذا الرقم لا يمكن الاتّصالُ به في الوقت الحاليّ." ثمّ عاش خيبتَها أضعافًا، وقلّب بصرَه في غرفته يتأمّل مرارتَه في شعْر ابنته الصغرى الأشعث، وفي وجه ولدِه أحمد التائهة نظراتُهُ بين كرّاسِه وضوءِ القنديل. ولمّا رأى شرودَه، اشتعلتْ في رأسه الهمومُ، ونبحتْ في رأسه بقرةٌ سوداء: "أين أقلامُ التلوين؟ كيف تدخل حصّة التصوير بلا أقلام تلوين؟!" ذاك ما أخبره به أحمد مساءَ عاد مُستاءً، ولكنّه كتم عنه أنّ البقرة سألته مؤنِّبةً: "أين والدُك؟ كيف يلِدُك ويهملك؟!"

فما الذي ساقه إلى المخبزة؟

كانت المخبزة قد امتلأتْ بالناس، والسؤال المحموم يتردّد: "هل نضج الخبز؟" وسعيد حزين. وسعيد موجوع في الخاصرة!

يتراءى له وجهُ خديجة في تلك الصور المتراصّة أمامه تتدافع من أجل الخبز، ويتشكّل صوتُها من تلك الهمهمات وعباراتِ السخط صافيًا صفاءَ شمسِ ربيع: "سيأتي يومٌ يكون لنا فيه بيتٌ بباحةٍ فسيحةٍ يلعب فيها الأولاد. لك فراشتان جميلتان، وشبلٌ جميل. سيكبرون. وستظلّ يا سعيد صغيرًا كما عهدتكَ مفتول السّواعد. فلا تنحنِ يا بطلي." وتذكّر كلماتها وقد أعياها التعبُ والمرض: "ستبني بيتًا يا سعيد. سنسكنه والأولاد. أريد مطبخًا واسعًا. سيأتي يوم يكون لنا فيه قمحٌ كثير، فأين نضعه؟"

وفي يومٍ، غلبها المرض. ورأى الناسُ سعيدًا داسًّا ركبتيه في التراب، وهو يُعْوِل. وفي زوايا البيت أحمد ورقيّة لا يفهمان ما يحصل. وحدها خلود كانت تدرك أنّ شرخًا من القمر قد تهاوى واندثر.

اشتدّت الحرارةُ داخل المخبزة، وصارت الأعصابُ أكثر انقباضًا، وفاحت رائحة العرق.

ـــ لقد بان سقوطُكم إثر فوزكم في الانتخابات الفارطة، ولن تقوم لكم قائمةٌ بعدها.

هكذا قال الدغباجي لمّا صار بإمكان سعيد أن يتبيّن بعضَ الجمل من الأحاديث الثنائيّة الّتي قلبت المخبزةَ ضجيجًا وضوضاءَ. ثمّ تفرقعتْ قهقهةٌ مدوّيةٌ من فم رجلٍ ربعِ القامة، صغير الرأس، يشبه الفقمة:

ـــ نحن صعدنا إلى السدّة، وما عليكم سوى الاستسلام.

ـــ سنقتلعكم أيّها الأوغاد.

ـــ أنتم أضعفُ من أن تقتلعوا شوكةً من اليد.

ـــ نحن أبناء الساحات والشوارع، وسترى.

في البدء كان حديثُ الرجلين ضائعًا في الجلبة، ثمّ بدأ يشدّ الاهتمامَ شيئًا فشيئًا، إلى أن نسي الناسُ أمرَ الخبز، واقتادتهم حدّةُ النقاش خارج المخبزة. اصطفّ البعضُ خلف الرجل ـــ الفقمة يزوّدونه بالحجج والمعلومات، بينما وقف آخرون وراء الدغباجي يهمسون له بالتواريخ والمقولات المشهورة.

حمي النقاشُ، وأزبدت الأفواهُ، وجحظت العيونُ، وتطايرت الشتائم بين المتجادلين، وسرعان ما تشابكت الأيدي. شكّل الرجلُ الفقمة وشيعتُه جدارًا، فدفعوا الدغباجي وشيعتَه، فتساقط بعضُهم. غير أنّ الدغباجي وحلفه استعادوا بعض القوّة، فدفعوا خصومهم بعيدًا، فارتطم بعضُهم بحائط المخبزة، وسقط آخرون,

لم يكن سعيد ليتدخّل لولا أنّ الدغباجي خطف مطرقتَه في خفّةِ جنّيّ، وقرع بها رأسَ الرجل الفقمة، فتساقطت الجثّةُ الضخمة على الأرض. تسلّح آخرون بأذرعٍ حديديّة، وحُفِر بلاطُ الرّصيف، وتقاذف القومُ بالحجارة والعلب وقواريرِ الكوكاكولا، وهجموا على الحوانيت ليغادروها محمّلين بعلب الطماطم وقوالب الصابون يتقاذفون بها. وحين ارتمى سعيد على الدغباجي يستردّ مطرقته، تلقّى أوّلَ صفعةٍ على خدّه. غلى الدمُ في رأسه، وهمّ بأن يردّ الصفعة ولكنّه تماسك، وحاول أن يخبره بأنّه ليس في شيعة أحد، وأنّه يريد مطرقته لا أكثر. غير أنّ الدغباجي عاود صفعَه على الخدّ الثاني. احمرّت الدنيا في عينيْ سعيد. جرّ الدغباجي بيد، والرجلَ الفقمةَ الغارقَ في دمائه بيد، إلى وسط الشارع الرئيس في المدينة، ونظر إلى الّذين تبعوه شزرًا فتقهقروا. ردّ الصّفعة الأولى، فطار مخاطُ الدغباجي في الهواء. ردّ الصفعة الثّانية فانفجرتْ أسنانُه دمًا، ووقع مغشيًّا عليه بلا حَراك. ثمّ أخذ مطرقته، وهوى بها على فم الرجل الفقمة، فتناثرتْ أسنانُه الأماميّة. وضع المطرقةَ في السلّة في هدوء، وقفل راجعًا لا يلتفت إلى أحد.

غير أنّه كان قلقًا وموجوعًا في الخاصرة.

التفّ القومُ حول الدغباجي والرجلِ الفقمة. ألسنةٌ تحوقل، وأخرى تبسمل، وجملٌ تتطاير من هنا وهناك: "الله يهديكم... قلنا لكم منذ البدء إنّ المزاح قد ينتهي إلى ما لا تُحمد عُقباه..." والرجُلان مغشيٌّ عليهما، ودماؤهما تسيل على قارعة الطريق. وفي لحظةٍ سُمعتْ صافرةُ خطرٍ، فوسّع الناسُ لها الطريق. صارت الصافرةُ جزماتٍ سوداءَ تقدّمتْ من الرجليْن الهامديْن وحملتهما إلى المستشفى، في حين زحف المصابون الباقون بتؤدةٍ نحو بيوتهم.

دغدغت الأنوفَ رائحةُ القمح المحترق، فأسرع الخبّازُ يتفقّد خبزَه، فإذا دخانٌ أسود كثيف يخرج من الفرن معلنًا تحوّلَ الخبز إلى رماد. فسبَّ الدينَ والمدينةَ وأهلَها، وبصق على حظّه.

وقف سعيد أمام بيته يهمّ بأن يدير المفتاح في الباب، فإذا قطيعُ سيّاراتٍ مرقّطة، وقومٌ تلثّموا  وقرفصوا مشرعين في وجهه البنادقَ:

ـــ توقّفْ! ارفعْ يديك! اجثُ على ركبتيْك!

غير أنّه لم يبدِ مبالاةٍ، وظلّ واقفًا مكانه. ولم يشعر بخطورة الموقف إلّا حين كبّلوا يديه، ودفعوه بلا رحمة إلى قبو من قباء سيّاراتهم. ولمّا قفلت السيّاراتُ راجعةً إلى المجهول، بزغتْ من الباب رقيّة:

ـــ بابا...بابا... بابا...!

ثمّ جاءها أحمدُ الأعوام العشرة يحضنها.

في الأيام التالية نشطت المدينةُ كما لم تنشط يومًا: عُقدتْ مجالسُ سرّيّة، ونُظّمت اجتماعاتٌ، ونُصبتْ طاولاتٌ للمفاوضات بين الدغباجي وشيعته من جهة، والرّجلِ الفقمة وشيعته من جهة. في البدء، كان من المقرّر أن يقدّم كلٌّ منهما شكوى على الآخر وعلى سعيد. ثمّ برئتْ بعضُ الخدوش، وتناقلت الأفواهُ عباراتٍ من قبيل "وحدة المدينة" و"السّلْم الأهليّ" وغيرِها من العبارات الّتي لم يعتدها أحد. وانتهى الطرفان إلى عقد مصالحة، على أن يتقدّما معًا بشكوى ضدّ سعيد تُلزمُه حدودَه!

في يوم المحاكمة جيء بسعيد، وأوقفَ وسط القفص. كانت الملاءات السّود تملأ القاعة: تُدافع عن الدّغباجي وشيعته، أو تُدافع عن الرّجل الفقمة وشيعته. وكان على سعيد أن يجد الحجج المناسبة للخروج من هذه الورطة، غير أنّه ـــ وهو يتأمّل المشهد ـــ أحسّ بأنّ في رأسه غيومًا وفي قلبه زوابع.

ـــ لماذا ذهبتَ إلى المخبزة؟

يتوه سعيد في دوّامةٍ عجيبة. يرى خبزةً تلوح في الأفق، فيسعى إليها. يركض وعيناه لا تفارقان الشبحَ البعيد.

ـــ لماذا ضربتَ الرجلين؟ تكلّمْ! فيمَ صمتك؟ هل تحتقر المحكمة؟

وسعيد يحلّق في الفضاء يتبع الخبزة الطائرة...

وسعيد موجوع في الخاصرة.

ـــ حكمت المحكمة حضوريًّا على المتّهم سعيد بعشرة أعوام سجنًا...

يتفرّس في وجه القاضي والكتبة والملاءات والوجوه البائسة، وتغزو أنفَه فجأةً رائحةٌ نتنة تأتيه من كلّ الجوانب فيصيح:

ـــ إنّي أختنق! إنّي أختنق!

ويرى سيلًا من العناكب والصراصير القبيحة والضفادع تقتحم البابَ الخلفيّ لقاعة المحكمة. ويقلّب بصرَه، فإذا قطيع من الخنازير البرّية يهجم عليه. يغادر المكان جريًا، غيرَ عابئ بتهديد القاضي ومعاونيه. كان سعيد كهبّة ريحٍ يشقّ المدينة ذاهبًا إلى الجبل. رأى كيف فاضت بالوعاتُ المدينة، وسرحتْ مياهُ الصّرف حاملة أنتن القاذورات. جرذان ميّتة، وجثث دجاج، وألسنة كلاب، وجلود قديمة رفعتها مياه الصّرف إلى السطح، وراحت تعلو بها شيئًا فشيئًا. وسعيد يسابق الريح يريد أن يحتمي بقمة الجبل. جاوز السّفح بقليل لاهثًا، والتفت فرأى المدينة غارقة في القذارة، وأبصر في السماء سحبًا وطائرة عسكريًة تحوم فوقه مصوّبة فوهة بندقيّة وبوقًا يهتف:

ـــ توقّف يا مجنون!

وسعيد يرفع إلى الطائرة الصّوتَ:

ـــ المدينة تغرق في برازها! انظروا!

ويشير بإصبعه إلى السيل وقد جاوز الأسطح. كان سعيد يرى سيلَ القاذورات يزحف إليه، فيواصل الصعودَ إلى القمة، والرّصاصُ يتبعه.

وفي لحظةٍ ارتدّت رصاصة أمامه على جلمودٍ ضخم، أصابته في الخاصرة. غير أنّه واصل الزّحف إلى القمّة. فترَتْ أعصابه. اتّكأ. كانت الطائرة تحوم فوق رأسه تمامًا. لم يعد يقوى على الحركة.

لمّا استوى على ظهره، وقد شلّت الرصاصةُ حركته وتنفّسه، رأى السّحب وقد اسودّتْ وأبرقتْ وأرعدتْ وأمطرتْ وحلًا. ورأى السّماء إستًا أسودَ عظيمًا يتبرّز على وجه المدينة.

قبل أن يُسْلم الروح، جاءه من السّفح صوتُ ثلاثة حناجر في حدّةِ سيفٍ لامع:

- بابا!

تونس

عيسى جابلي

كاتب وباحث وإعلاميّ تونسيّ من مواليد سنة 1980. له مجموعتان قصصيّتان أزياء لقصائد السّيّدة سين (2014)، وكأن أمضيَ خلف جثّتي (2016). وله كتاب أكاديميّ بعنوان الفكر الكاثوليكيّ المعاصر والآخر (2016).