"سِنّه" واحدة ناقصة
28-02-2016

 

كان البيت على أطراف غرناطة. وكانت المدينة قد سقطتْ. تسلّم مفتاحَها الأسبان.

***

لم أكن أجملَ، في حياتي، من وقتِ زُرتُ غرناطة!

تحرّك الباصُ في الفجر. وتحضّرتُ للمدينة الجميلة: اشتريتُ فستانًا جديدًا وقبّعة، ووضعتُ في أذنيّ قرطَيّ اللؤلؤ اللذين اشتريتُهما من متجرِ فضّة في الشام القديمة. لم أُحضِر ثلاثيّة غرناطة(1) معي، لكنّني حين رأيتُ السهمَ الأخضر الذي يشير إلى حيّ "البيازين" الذي دارت فيه أحداثُ الرواية، جريتُ نحوه فرحةً، وطلبتُ إلى يوسف أن يلتقط لي صورةً إلى جانبه.

أطوف المدينةَ مع يوسف. نستأجر Segway لجولتنا هناك. أخاف في البداية، وأميل قليلًا إلى الأمام. يضحك يوسف ويجري. يستفزّني. أميلُ بجسدي كلّه إلى الأمام، فتنطلق العجلةُ على الدروب الحجريّة. نمرّ بقهوةٍ صغيرةٍ في الجوار، وإلى جانبها بيتٌ عُلّقت الأواني الفخاريّةُ الزرقاء على جدرانه، وزُرعتْ فيها الورود. يصيح يوسف: "بيتِكْ أَهو،" فأبتسمُ ولا أجيب، خشية أن يختلّ توازني فأقع.

الطريق يتابع صعودًا، والمارّةُ يقلّون بالتدريج. نمرّ بجانب كنيسة، نشتبهُ في أنّها كانت مسجدًا. سورُها يطلّ على المدينة وعلى النهر الصغير. الشمس توشك على المغيب. يخطر لنا أن نؤذّن بصوتٍ خفيض. تتخلّل أذانَنا الضحكاتُ. نولّي وجهيْنا المدينة. وتثبت صورتُها في ذهني إلى الأبد.

***

كان البيت على أطراف غرناطة. كان قديمًا جدًّا... آيلًا للسقوط. أحْضر العمّالُ معاولهم وبدأوا في هدم الحوائط. تفاجأوا بأوراقٍ تسقط مع الأحجار... مئاتُ الأورق تسقط... من السقف والجدران. حاولوا أن يقرأوها. لم يفلحوا. كانت مكتوبةً بأبجديّتهم، لكنّ الكلمات لم تكن ككلماتهم. حفظوها داخل ملفٍّ ونسوْها. ضربتْ معاولُهم البيت من جديد حتّى تهدّم.

***

الطريق إلى السجن الجديد طويل. أمُّ عمر تحتمي بسنوات عمرها، لربّما تُجنّبها الإهانة. أعدّت له الطعامَ الذي يحبّ. أحضرتْ أيضًا بعضَ المعلّبات التي قد تقيه جوعًا، وبعضَ الملابس. خبّأَتْ رسالتي في علب الطعام. أحكمت الغطاءَ. وقطعت الطريقَ الطويل.

***

خرجنا من الباب الخلفيّ لحديقة الأزهر. كنّا أربعة. كان الجوّ لطيفًا، وكانت حاراتُ "الدرب الأحمر" ضيّقة. حمانا ظلُّها من شمس الصيف الذي كاد ينتهي. أسأل أحمد عن سبب تسمية الحيّ. يقول إنّ البعض يُرْجع التسمية إلى أنّ تربة الحيّ حمراء، وبعضهم الآخر يُرجعها إلى دماء المماليك التي سالت في مذبحة القلعة، وخضّبت الأرض. أُصدّق الاحتمالَ الأخير لأنّي أحبّ الحكايات. نسأل المارّة عن الطريق إلى باب زويلة. يصِفون لنا بصوتهم العالي وإشاراتِ أيديهم: "طوالي ع اليمين، في الوش حتلاقي بوّابة المتولّي." نؤكّد عليهم أنّنا نقصد باب زويلة. يهزّون رأسهم مؤكّدين: "باب زويلة هو بوّابة المتولّي."

نصل.

أضع قدمي على الدرجة الحجريّة وأقرأ: "أنت الآن خارج القاهرة القديمة." أتلفّت حولي، ويختلط الأمرُ عليّ؛ لا أعرف في أيّ اتّجاهٍ كانت المدينة. أبحث عن أحمد. أجده واقفًا أمام واحدة من الواجهات الزجاجيّة يقرأ شيئًا ما. أقف بجانبه وأقرأ معه:

المتولّي كان حمّالًا قويَّ البنية وطيّبًا. ما إنْ يرى أحدَ أهل الحيّ يحمل شيئًا حتّى يذهب ليحمله عنه. كان يحبّ الجلوسَ عند باب زويلة. وكان يناديه جيرانُه قائلين: "يا شيّال الحمول يا متولّي." مات متولّي، لكنّ اسمَه التصق بالباب. ولسببٍ ما أصبح المتولّي وليًّا، وأصبح أصحابُ الحاجات يأتون إلى بوّابته، يكتبون أمنياتِهم على قصاصاتٍ صغيرة، يحشرونها بين شقوق الحجر. في بعض الأحيان كانوا يخلعون أسنانَهم ويرفقونها مع الأوراق بين الحجارة.

أسأل أحمد: لماذا أسنانهم؟ لا يعرف. أُكمل أنا الأسطورة: ربّما كان للمتولّي "سِنّه ناقصة،" وربّما كانت أسنانُهم هي قرابينَ الاستجابة.

***

الخُرّاج أسفل ضرس عمر يؤلمه. يسبّب له صداعًا نصفيًّا لا يُحتمل. استغرق تصريحُ الزيارة إلى مستشفى السجن عامًا كي يصدر. يومها صحب طبيبُ السجن عمرَ من زنزانته إلى المستشفى، داخل مُجمّع السجن. على الطريق، رأى عمر مآذنَ جميلةً لمسجدٍ قريب. ولأنّ محاكمته لم تكن قد تمّت بعد، ولأنّه لم يكن يعرف حينها أنّ الحكم الذي سيصدر عليه سيفوق سنواتِ عمره الحاليّة، فإنّه وعد نفسه بالصلاة في هذا المسجد حين يخرج.

لكنّه اكتشف، خلال سيره والطبيب، أنّ المسجد داخل مُجمّع السجن، لا خارجه. وحكى له الطبيب عن الصورة الشهيرة التي أمسك فيها السادات بمعولٍ ضخمٍ، وانحنى ليهدم جدارَ السجن. وفي الوقت نفسه، بنى السادات جامعًا ليعلن أنّ عصرَ القهر قد انتهى، وعصرَ الحريّات الدينيّة قد ابتدأ!

حين وصل عمر مع الطبيب، وجد أنّ الجامع مغلقٌ، أنّ المستشفى، أيضًا... مغلقة.

***

اكتشف الحارسُ رسالتي المخبّأة في الطعام.

أنا لا أعرف شكلَ الحارس، لكنّه قادرٌ على أن يعرف شكلي. خطّ يدي. فواصلي حين أُنهي الجملة. الطريقة التي أرسم بها الوجوهَ الضاحكة. هو يعرف بأمرِ هديّة عمر التي مرّرها لي، وعرف كم أحببتُها. فيلمي المفضّل والأسئلة التي تؤرّقني. عرف أنّ عمر طيّبٌ وأنّني طيّبة. توعّد الشرطيّ أمّ عمر بمحضرٍ أمام النيابة. لم تحمِها سنواتُ عمرها، ولم تُجنّبها الإهانة.

***

كان البيت على أطراف غرناطة. وكانت المدينة قد سقطتْ. تسلّم مفتاحَها الأسبان. وكان الأسبان يقتلوننا، يلاحقوننا، يمنعوننا من تحدّث العربيّة في بيوتنا. يُبقون أبوابَ البيت مفتوحة يوم الجمعة حتّى يضمنوا أنّ الصلاة لن تُقام. يفتحون بيوتَ اليهود يوم السبت. يقتلوننا إنِ اشتبهوا في سماع صوت الماء يجري في ديارنا وقتَ صلاة العشاء أو عند الفجر. استباحونا. يستبيحوننا. يغيّرون ديننا وأسامي أطفالنا ويأخذون النساء. وأنا خائف خائف. أشعر كلّ ليلة بأقدامهم تقترب. أخبّئ بناتي. أحتضنهم. أجري لأكتب. رسائل للمغرب. لبغداد. للخليفة. لا بدّ للنجدة أن تأتي. أكتب سورة الصمد. لم أتعلّم أن أكتب العربيّة. مُنع استخدامُها هنا حين كنتُ طفلًا. أتحدّثها سرًّا مع بناتي. أكتب القرآن بحروفهم وكلماتي. الفاتحة والصمد. حديث لبناتي ليحفظوه عنّي. عن الصحبة الصالحة وطلب العلم. أنا خائف خائف. لا بدّ للنجدة أن تأتي. أخبّئ رسائلي في جدران البيت. أحفر تحته. أعبّئهم فوق السطح. لن تأتي النجدة. العالم كلّه بعيد جدًّا عنّي في هذه اللحظة.

***

أنا خائفة.. خائفة جدًّا.

لماذا خلق الله السماء بلا شقوق؟ "لا تفاوت،" كذا وصفها في كتابه.

أين أخبّئ رسائلي يا الله؟ لماذا لم تخلق للحارس "سِنّه ناقصة"؟ "سِنّه" واحدة ناقصة أرفقها مع رسالتي كلّ مرّة كقربان إجابة.

القاهرة

(1) ثلاثيّة غرناطة هي ثلاثيّة روائيّة تتكوّن من ثلاث روايات للكاتبة المصريّة الراحلة رضوى عاشور. والروايات على التوالي: غرناطة - مريمةالرحيل. وتدور الأحداث في مملكة غرناطة بعد سقوط جميع الممالك الإسلاميّة في الأندلس. وصدرت الطبعة الأولى عن دار الهلال في جزئين، عاميْ 1994 و1995.

 

 

نسمة سالم

كاتبة مصريّة