Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

فليس بالورق وحده...

الافتتاحية

 

فلأعترفْ: أنا، في الأساس، رئيسُ تحريرٍ ورقيّ، أو رئيسُ تحريرِ مجلةٍ ورقيّة. وسيمضي زمنٌ طويلٌ قبل أن أعتادَ هذه البدعة المسمّاة: "مجلّة الآداب الإلكترونيّة،" أو أن أعرّفَ نفسي باللقب السرياليّ: "رئيس التحرير الإلكترونيّ."

21 عامًا وأنا أقلّبُ مجلّة الآداب ورقًا، وأصحّحُها ورقًا، وأشمُّها ورقًا، وأداعبُها ورقًا، وتنامُ قرب سريري في أمسيات الأرقِ ورقًا، وأمزّقُها ورقًا. أحملُها إلى المطبعة رُزمًا من الورق، وأحشرُها مع ملابسِ السباحة وثيابِ السفر ورقًا. وفجأةً، إذ بشريكةِ عمري الورقيّة منذ العام 1991 تدخل في فرنٍ حراريٍّ هائل، فتنصهر، لتخرجَ صورةً... ويا ليتها تعلّقُ على حائطٍ أو تركّبُ في برواز!

أنظرُ إلى مجلّدات الآداب الورقيّة في مكتبتي: 60 مجلّدًا بنّيًّا، كلٌّ منها يَحمل، على "كعبه" السميك، كلمةَ "الآداب" محفورةً بماءِ الذهب. وإلى جانب المجلّدات الستّين تركتُ على الرفّ مساحةً فارغةً لمجلّداتٍ قادمةٍ، كنتُ أخطِّطُ لها ما مدّ القدَرُ من عمري. فبمَ ستراني أسدُّ الفراغَ الآن؟ أبأقراصٍ مدمجةٍ تضمّ موادَّ الآداب الإلكترونيّة الجديدة؟ أم بشاشة حاسوب؟ أمْ أتركُها فارغةً وكأن لا حياة لها إلاّبخبز الورق؟

لا أمزح. المجلة بالنسبة إليّ، ككلّ منتوجٍ آخر، مكتوبٍ أو غيرِ مكتوب، شيءٌ مادّيٌّ، نُصُبيٌّ كما كان يقول أستاذي ريفاتير،(1) ذو حجمٍ، وارتفاعٍ، وعرضٍ، وثِقَلٍ، وحفيفٍ، وملمسٍ، ورائحةٍ (سيضيف الأطفال "وطعمٍ"). وأن تتحوّلَ إلى شيءٍ مرئيٍّ فقط ليس بالأمر الهيّن لمن عايشها في صيغةٍ ثابتةٍ مختلفة عقودًا طويلة، حتّى مِن قبل أن أقرأها بنفسي ــــ أي حين كنتُ مجرّدَ مستمعٍ، في العاشرةِ أو الحاديةَ عشرةَ من عمري، لافتتاحيّات أبي قبل أن يَدفع بالمجلة إلى المطبعة في الخندق الغميق. الأمر، إذن، لا علاقة له بالحنين فقط، بل بالعادةِ، أولًا وأساسًا.

الأدهى أنّ هذه العادة لم تقتصر، لدى قسمٍ عريضٍ من جيلي ومن الأجيالِ الثقافيّةِ الأسبق، على الإعلاء من شأن المكتوب في ذاتِه، وإنّما سعت إلى أن تربطَه أيضًا وأبدًا بمشروعٍ سياسيٍّ تقدّميٍّ قوميِّ التوجّه. بل أذهبُ أبعدَ من ذلك: لقد كنّا ننظر إلى النشر الإلكترونيّ، في "ظهوراته" العربيّة الأولى، شَزَرًا، وبالكثير من الرِّيبةِ والتوجّس، في وصفه تعبيرًا عن حداثويّةٍ "مفرطةٍ" محفوفةٍ بالمزالق، وبالمؤامرات الاستعماريّة، وبالتمويل الأجنبيّ، القادمِ بالضرورة على أجنحة المنظماتِ الدوليّةِ غيرِ الحكوميّة... وغيرِ البريئة.

لقد شرَحنا، في غير مكان،(2) الأسبابَ التي دعتنا إلى التوقف الورقيّ بعد 60 عامًا، تمهيدًا للتحوّل الإلكترونيّ. وأشعرُ بسعادةٍ متزايدةٍ للترحيب الذي ما زلنا نتلقّاه، بعد إصدارٍ إلكترونيٍّ واحدٍ فقط،  من طرف المئات من القرّاء العرب، مشفوعًا بملاحظاتٍ ونصائحَ وإرشاداتٍ، إنْ دلّتْ على شيء فعلى حرصِهم على الإسهام الفعليّ في إنجاح هذا المشروع الجديد. لكن، لئن أفلَحنا في دفع قرّاءِ موقعنا الإلكترونيّ إلى أن يشمّوا شيئًا من رائحة الورق القديم تنبعث من شاشات حواسيبهم وهواتفهم الذكيّة، عبر إعادة نشر الأرشيفِ الستينيّ الورقيّ (تباعًا) وتخصيص بابٍ استعاديّ ("ذاكرة الآداب الورقيّة")، فإنّ التحدّي الأساس هو أن نحافظَ على "تماسكِ" الموادّ من جهة، وأن نفيدَ من الإمكانات الإلكترونيّة الواسعة من جهةٍ ثانية.

بكلامٍ آخر: إذا كانت المجلةُ الورقيّة تتميّز بالنُّصُبيّة، بالزمانيّة، بالمساحيّة، بالتماسكِ المادّيّ (عبر الصمغِ أو التخييط)، ضمن غلافٍ أماميّ وآخرَ خلفيّ و"كعبٍ" يضمّهما الواحدَ إلى الآخر؛ فإنّ نشرَها الإلكترونيَّ، هي ذاتها، كلَّ شهرٍ أو فصلٍ، من دون مسٍّ أو تحريك، يعني قتلَ الحيويّة والتفاعليّة اللتين تميّزان الفضاءَ الإلكترونيّ. لكنْ، في المقابل، أن نَنشرَ الموادَّ على الموقع الإلكترونيّ، كيفما اتفق، فذلك يعني أن نبعثرَها ونشرذمَها، وأن نطمسَ السياقاتِ التاريخيّةَ والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي صدرَت فيها. فهذه الموادّ، في حقيقة الأمر، ليست معلّقةً في الأثير، بل تنتمي إلى "جسمٍ" متكاملٍ، صدر في زمنٍ متقاربٍ (يوم على أبعد تقدير)، صحبةَ موادَّ أخرى، من قصائدَ وقصصٍ وحواراتٍ ورسوم؛ والأهمّ أنها تأتي صحبةَ مقالاتٍ ذاتِ مواقفَ سياسيّةٍ هي ابنةُ زمانها ومكانها، وصحبةَ افتتاحيّاتٍ غالبًا ما تعبّرُ عن مواقفَ سياسيّةٍ واستراتيجيّةٍ واضحة. ومن هنا رُحنا، كفريق عملٍ في الآداب، نتلمّس صيغةً تجمع بين "التماسكيّة" الورقيّة (المرتبطةِ بالسياقاتِ والمواقفِ أعلاه) و"التفلّتِ" الإلكترونيّ (وما يرافقه من حيويّةٍ ومتابعةٍ وتجديدٍ ومتعةٍ بصريّة). فاهتدينا إلى صيغة "الإصدار." وبموجب ذلك سنكون، كلَّ أسبوعين تقريبًا، أمام "إصدار" ذي تاريخٍ محدّد، نُعلن عن محتوياته في وقت واحد، على صفحات الفيسبوك والتويتر الخاصّة بمجلة الآداب ودار الآداب، فضلًا عن صفحاتنا الشخصيّة والمنابرِ الإعلاميّة المختلفة.

***

عزيزتي الآداب الورقيّة،

تقبّلي تسويتنا، التي لا بدّ منها، من أجل الاستمرار، بل من أجل المزيد من الحيويّة والإشعاع. فليس بالورق وحده تحيا الآداب.

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب