Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

في الحرب الناعمة: القول تختصره العائدة

مقالات

 

تفرض بادئةُ القول في "الحرب الناعمة" أن نقف على مفهوم "الحرب الاستعماريّة" لازمةً تكوينيّةً لأنظمة الغرب الرأسماليّ في علاقتها بالعالم غير الغربيّ. فلقد زجدتْ تلك الأنظمة في هذا العالم مجالًا لاقتسامه إلى مناطقِ نفوذ، ومجالًا للسيطرة الشاملة عليه. وقد تمّ لها ذلك عبر الاحتلال العسكريّ المباشر، الذي ترافق مع نهبٍ اقتصاديٍّ منظّمٍ حوّل البلدانَ المستعمَرة إلى سوقٍ استهلاكيّة لمنتوجات المستعمِر، وأدّى إلى تشويهٍ بنيويّ لاقتصادات تلك الدول، وإلى ربطها بآليّات الاقتصاد الرأسماليّ العالميّ.

 

في المجال الثقافيّ كان المستعمِر يبشِّر المستعمَر بأنّه سوف يمسك بيده ويأخذه إلى نموذجه الفكريّ في الحياة (حرّيّة وديمقراطيّة ومدنيّة...). لكنّ تبشيره ذاك انكشف نفاقُه حين تبيّن أنّه يضع العراقيلَ أمام تحقيق نموذجه في الدول المستعمَرة. وتلك معادلة لم يستطع الغربُ الكولونياليّ التفلّتَ منها في علاقته بالآخر غير الغربيّ: فـ"عقلانيّتُه" تجاه الأخير تنطبع بالعنف، وعنفُه يحمل "عقلانيّةً" موؤودةً بالطغيان. وما بين "العقلانيّةِ" العنفيّة، والعنفِ "العقلانيّ،" دعمَ الغربُ في المستعمَرات أنظمةَ القمع والاستبداد، كما دعم أنظمة السلالة والموروث الثقافيّ التقليديّ. وبقيتْ سيرة الغرب الكولونياليّ في علاقته بالعالم غير الغربيّ على هذا النحو منذ أوائل القرن السادس عشر حتّى النصف الثاني من القرن العشرين.

لكنْ عندما أخذت دولُ المستعمرات تحقّق استقلالَها الوطنيّ بدءًا من ذلك الوقت، انتقلت الدولُ المستعمِرة إلى الحرب الناعمة؛ أيْ إلى جذب الخارج إلى منظومتها الثقافيّة والقيميّة.

 

في مفهوم الحرب الناعمة

تنزع جميعُ تعريفات "الحرب الناعمة" نحو غاية واحدة: تدجين الدولة التي تستهدفها ثقافيًّا وفكريًّا.

أوّلُ مَن روّج هذا المصطلح هو الأميركيّ جوزيف ناي، الذي عرّفها على النحو الآتي:

"إنّها القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبيّة بدلًا من الإرغام أو دفعِ الأموال؛ أي إنّها القدرة على التأثير في سلوك الآخرين لكي تجعلهم يُعجبون بمُثُلِكَ ويريدون ما تريد. ولذلك لن تُضطرّ إلى الإنفاق كثيرًا على عوامل الإرغام لتحريكهم في اتّجاهك؛ فالإغراء أكثرُ فعّاليّةً من الإرغام على الدوام. وعلى سبيل المثال، فإنّ القيم الديمقراطيّة، وحقوقَ الإنسان، وإتاحةَ الفرص للأفراد، لها قدرة عميقة على الإغراء، شرط عدم استخدام وسائل العنف أو الأسلحة الصلبة."(1)

أمّا الناحية الإجرائيّة لنظريّة الحرب الناعمة فهي اللعبُ بقواعد الخصم، وزرعُ الشكّ في ثوابت الدولة المستهدفة ومعتقداتها، وإيجاد التردّد في قلوب الناس وأذهانهم.(2) وفي مجرى هذه الحرب، يتمظهر الاشتباكُ مع الخصم الخارجيّ بلونٍ "محلّيّ،" بحيث يتبلور حضورُ الوكيل المحلّيّ في إطار بيئةٍ تحضن أهدافَ الخصم بطريقة غير مباشرة. (3)

 

أهداف الحرب الناعمة

استندت الحربُ الناعمة إلى برمجة وعي الخصم وسلوكه عبر:

ــــ التبخيس في قدرته على إنتاج معرفة "حقيقيّة."

ــــ النيل من معنويّاته النفسيّة.

ــــ المسّ بمعتقداته الدينيّة والإيمانيّة.

ــــ تشويه ثقافته المحلّيّة وسلبها القدرة على المقاومة.

ــــ زرع اليأس والإحباط عنده من أجل دفعه إلى اختيار الحياد واللامبالاة والتقاعس إزاء القضايا الوطنيّة والقوميّة.

 

أساليب الحرب الناعمة وأدواتها

ساهمت العولمة الإعلاميّة الثقافيّة وتوسُّعُ "الجيل الرابع" في تسهيل السيطرة الناعمة على الخصم عبر استمالة فئات مجتمعيّة محدّدة من خلال جهازها الإدراكيّ؛ ذلك لأنّ التأثير في السلوك الفرديّ ينبع من التحكّم في هذا الجهاز، ما قد يصيب الفردَ بالتشتّت الفكريّ والنفسيّ، فيصبح مستلَبًا من الطرف الذي يتحكّم فيه، مؤمنًا بمعتقداتٍ وأفكارٍ تناقض ما كان يؤمن به سابقًا.

وبالإضافة إلى شبكات الفضاء الإلكترونيّ، تتوسّل الحربُ الناعمةُ جملةَ أدوات تستخدمها الدولةُ المهيمنة لبسط سيطرتها على الخصم، ومن أبرزها:

ــــ الجامعات والمؤسّسات التعليميّة التي تجذب الطلّابَ الباحثين والأجانب الوافدين للدراسة، بحيث يتحوّل هؤلاء إلى "سفراء ثقافيين" للدولة المهيمنة.

ــــ برامج التبادل الثقافيّ الدوليّ والمؤتمرات الدوليّة، التي تُمكّن الدولةَ المهيمنةَ من بسط أفكارها وإيصالها إلى الفضاء الثقافيّ للخصم.

ــــ وكالات التنمية والمساعدات الدوليّة، التي تستولد نخبًا محليّةً تروّج لثقافة الدولة المهيمنة وسياستها.

ــــ الشركات الاقتصاديّة العابرة للقارّات، إذ عَبْرَها يجري استتباعُ اقتصادات الدول المستهدفة.

ــــ برامج التدريب والتعاون العسكريّ لقادة الجيوش الأجنبيّة وضبّاطها.

خلاصة: مقارنــة

بعد هذا العرض المكثّف لنوعَي الحرب، الصلبة والناعمة، سنعقد مقارنة بينهما من حيث الماهيّة والأهداف والأساليب والأدوات.

ــــ الحرب الصلبة نزاعٌ مادّيٌّ مباشر. أمّا الحرب الناعمة فنزاعٌ ذهنيٌّ وغيرُ مرئيّ.

ــــ الهدف الأساس من الحرب الصلبة هو احتلالُ الأراضي والسيطرةُ على البنى الأمنيّة والعسكريّة. أمّا الحرب الناعمة فتهدف إلى نمذجة عقائد الخصم وتشكيل نفسيّته وبرمجةِ وعيه وقيمِه وطريقة حياته على قياس النموذج الثقافيّ المنشود وبما يخدم مصالحَ الدولة المهيمنة.

ــــ تستخدم الحربُ الصلبة الجيوشَ والمجموعات المسلّحة. أمّا الحرب الناعمة فتستخدم الصناعات الثقافيّة ووسائلَ الإعلام والإعلان والتكنولوجيا وعالمَ الاتّصال.

لكنْ أيًّا يكن القول في الحرب الناعمة، فإنّ الحرب الصلبة تبقى خيارًا استراتيجيًّا دائمًا للغرب الكولونياليّ، وهو جاهزٌ لاستخدامه في أيّ لحظة في سبيل خدمة مصالحه. وهذه اللحظة ما زالت ماثلة للعيان في العراق وفي ليبيا، وقد تتكرّر تحت ذريعة "نشر الديمقراطيّة" في أيّ بقعةٍ أخرى من بقاع العالم.(4)

أخيرًا، تقول العائدة: إنّ ما بين الحربين حربًا واحدةً، هي حربُ الغرب الكولونياليّ للسيطرة على العالم غير الغربيّ. ذاك ما كان عليه تاريخُه، وهذا ما هو عليه حاضرُه.

بيروت

 

1- جوزيف ناي، القوّة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدوليّة (ترجمة: محمد توفيق البجيرمي، تقديم د. عبد العزيز عبد الرحمن الثنيان، ط 2، 2007)، ص 12-13. كذلك أنظرْ في: علي الحاج حسن، ود. حسين صفيّ الدين، الحرب الناعمة، المفهوم والنشأة وسبل المواجهة (بيروت ، ط 1، 2011).

2 - علي أكبر حميدان، قراءة في أساليب التهديد وأدوات المواجهة (بيروت: مركز قيم للدراسات، ط 1، 2001)، ص 12.

3 - محمد ياغي، الحرب الناعمة: مقوّمات الهيمنة وإشكاليّات الممانعة (بيروت: مركز قيم للدرسات، ط 2، 2011)، ص 56. وانظرْ: علي ضاهر، دور وسائل الاعلام في الصراع السياسي والثقافي (بيروت: دار الهادي، 2010)؛ محمد حمدان، القوة الناعمة وادارة الصراع عن بعد (بيروت: مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، ط 1، 2013)؛ محمد حمدان، الحرب الناعمة (بيروت: دار الولاء للطباعة والنشر، ط 1، 2010).

4 - فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير (بيروت: مركز الإنماء القومي، ترجمة فاروق شاهين وجميل قاسم، 1989)، ص 159.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب