أهمّيّة اللغة الأمّ وواقع اللغة العربيّة
25-11-2015

 

في السنوات الأخيرة برزتْ في الغرب نظريّاتٌ تؤكّد أهمّيّة المحافظة على تعلّم اللغة الأمّ لأنّها شرطٌ أساسٌ لنموّ الفرد المعرفيّ واللغويّ والاجتماعيّ. وقد ربطتْ هذه النظريّات بين أهمّيّة اكتساب هذه اللغة وسهولة تعلّم اللغات الأخرى، خصوصًا ذاتِ المصدر اللغويّ نفسه. كما شدّدتْ على أنّ الحفاظ على اللغة القوميّة يساعد في بناء هويّةٍ فرديّةٍ متماسكةٍ تتأثّر بمنظومة القيم الأخلاقيّة والمدنيّة المنبثقة من النسيج الاجتماعيّ وتؤثّر فيها. وتصدّى بعضُ التربويين، وبخاصّةٍ في الدول التي تمتاز بالتعدّديّة الثقافيّة، لتهميش اللغات الأمّ لدى المهاجرين المقيمين في تلك الدول التي تعتمد في تدريسها على لغتها فقط. وفي السياق ذاته، حدّدت اليونيسكو يومَ21 فبراير يومًا عالميًّا للاحتفال باللغة الأمّ (ويومَ 18 ديسمبر يومًا عالميًّا للاحتفال باللغة العربيّة)، وفيه يتمّ التركيزُ على أهميّة اللغة الأمّ ووجوب احترام التنوّع اللغويّ والثقافيّ؛ كما شدّدت المنظمة في تقرير لها سنة 2013 على ضرورة استخدام اللغة الأمّ في البيئة المنزليّة والمدارس.

 

النظريّات والدراسات حول اللغة الأمّ في الغرب

أسهمت التعدديّةُ الثقافيّة واللغويّة والدينيّة والعرقيّة التي ميّزتْ مجتمعاتٍ غربيّةً كثيرةً، نتيجةً للهجرة إليها، في تغيير نسيجها الاجتماعيّ والديموغرافيّ، دافعةً الحكوماتِ المتعاقبةَ إلى اتّخاذ إجراءاتٍ وإلى سنّ قوانين تهدف إلى إدارة هذه التعدديّة. على أنّ عددًا من النقّاد يروْن أنّ هذه الإجراءات والقوانين، وإن اختلفتْ بين دولةٍ وأخرى، تَهدف إلى صَهر (assimilation) المهاجرين بدلًا من دمجهم (integration) في المجتمعات البديلة؛ أيْ تهدف إلى إفقادهم لغاتِهم وثقافاتِهم الأمَّ على حساب الثقافة "السائدة" واللغة "السائدة" في هذه الدول. ومن هنا ظهرتْ نظريّاتٌ ودراساتٌ تربويّة تؤكّد أهمّيّة احترام اللغات والثقافات الأمّ بدلًا من تهميشها، تسهيلًا لعملية الاندماج الاجتماعيّ وتعلّم اللغة الثانية لدى فئةٍ من المهاجرين. وتركّز هذه الدراساتُ على أنّ تعلّم اللغة الثانية داخل المدارس في المجتمعات المضيفة يجب أن يستند إلى عامليْن: معرفة اللغة الأمّ، واحترام المجتمع المضيف لهذه اللغة (وللثقافة التي ترتبط بها).

يعود العاملُ الأوّل إلى المتلقّي ذاته، أيْ إلى الطالب الوافد، وإلى أهميّة أن يحافظ على إرثه اللغويّ. تَعتبر فرونسواز أرماند،(1) وهي متخصّصة في آليّات تدريس اللغة الثانية في جامعة مونتريال، أنّ اللغة الأمّ أداةٌ رئيسةٌ يستخدمها الطالبُ لتعلّم اللغة الثانية عن طريق استخدام الإستراتيجيّات اللغويّة ذاتها، وعن طريق الاستفادة من المهارات المكتسبة في لغته لتطبيقها في تعلّمه اللغةَ الثانية. وفي الإطار ذاته، يشرح جيمس كومينز،(2) وهو

يذهب كومينز إلى أنّ تجاهل لغة الفرد في المجتمعات المتعدّدة الثقافات يُعتبر نوعًا من أنواع الانصهار القسريّ داخل هذه المجتمعات

متخصّصٌ في اللغويّات، مفهومَ ما يسمّيه "إتقان الأساسيّات المشتركة"الذي يساعد على نقل المعارف والمهارات المكتسبة من اللغة الأمّ إلى اللغات الثانية، ويَعتبر أنّ اللغة الأم تؤمّن الأساسيّات لبناء استراتيجيّات اللغة الثانية. وبالإضافة إلى هذا، ركّزتْ بعضُ النظريّات على المحافظة على "التعدّديّة اللغويّة الإيجابيّة (أو المضافة)،" أيْ على اكتساب اللغة الثانية إلى جانب اللغة الأمّ حفاظًا على هويّة الفرد الثقافيّة، مقابل "التعدّديّة اللغويّة السلبيّة (أو الناقصة)،" أيْ إتقان اللغة الثانية على حساب اللغة الأمّ بما يجعل الفردَ أُحاديَّ اللغة ومعزولًا عن ثقافته الأصليّة. ونشير هنا إلى أنّنا نجد في الغرب الكثيرَ من القوميّات التي تعتزّ بحضارتها، وقد عملتْ جاهدةً على المحافظة على هويّتها اللغويّة والثقافيّة، من دون أن يؤثّر ذلك سلبًا في  اندماجها ونشاطها في المجتمع المضيف.

أما العامل الثاني فيعود إلى مسؤوليّة المؤسّسات التعليميّة التي تُطالَب، حسب هذه الدراسات، باحترام التعدديّة اللغويّة والثقافيّة والعمل على تكريسها ونشر التوعية حولها. فاللغة لا تنفصل عن الثقافة، واحترامُ اللغة التي ينتمي إليها الفردُ يرتبط باحترام ثقافته والاعترافِ بها؛ ذلك لأنّ اللغة تعبّرعن حضارة أمّة، وليست مجرّدَ وسيلةٍ تقنيّةٍ يستخدمها الشخصُ للتخاطب أو للتعبير عن مخزونه الفكريّ. ويشير بعضُ الباحثين(3) إلى أنّ انعدام احترام ثقافة الطالب ولغتِه في المدرسة يؤثّر سلبًا في تحصيله الدراسيّ وفي تعلّمه اللغة الثانية؛ فشعورُ الطالب بتهميش لغته وثقافته وهويّته يمنعه من الاندماج في مجتمع المدرسة بدلًا من تقبّل الثقافات الأخرى. ومن هنا، ظهرتْ برامجُ تعليميّة، رسميّةٌ وخاصّة، تتبنّى فكرة إدراج تدريس اللغات الأمّ ضمن المناهج التعليميّة في المدارس التي تدرِّس بلغة الدولة المضيفة. وعلى سبيل المثال، ظهر في بريطانيا في أوائل ثمانينيّات القرن الماضي برنامجٌ يُعنى بالتوعية بالتعدّديّة اللغويّة، وما لبث أن انتشر في دولٍ أوروبيّةٍ أُخرى كسويسرا، وانتشر حديثًا في مقاطعتيْن في كندا. ويهدف البرنامج إلى حثّ المدرّسين على أخذ لغة الطالب وثقافته الأم في الاعتبار داخل الصفّ الدراسيّ الواحد؛ كما يحثّ على إدراج أنشطةٍ صفّيّةٍ تتمحور حول الثقافات المتعدّدة للطلبة في الصفّ ولغاتهم الأصليّة. بالإضافة إلى هذا، اعتمدتْ مقاطعةُ كيبك في كندا في نهاية السبعينيّات "برنامج تعليم اللغة الأصلية،"(4) خصوصًا في المدارس التي تمتاز بوجود نسبةٍ مرتفعةٍ من المهاجرين، ويهدف إلى تدريس أنشطة للطلاب بلغاتهم الأمّ.

إذا نظرنا إلى الأهمّيّة التي توليها هذه السياساتُ والبرامجُ للهويّة اللغويّة والثقافيّة للفرد في مجتمعٍ متعدّدِ الثقافات، نجد أنّنا ما زلنا في العالم العربيّ بعيدين كلّ البعد عن جوهر هذه السياسات وفحواها. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه النظريّات والبرامج لا تعني حتميّة تطبيقها في مدارس الغرب (بملحظ ازدواجيّة الخطاب الغربيّ حيال موضوع الهويّة الوطنيّة وتكريسه "الثقافةَ السائدةَ")، لكنّها تعمل في الأقلّ على نشر وعي عامّ قد يؤدّي إلى تقدير الفرد لهويّته الذاتيّة، وإلى عدم النظر إلى لغته وثقافته نظرةً دونيّةً. وفي هذا السياق يذهب كومينز إلى أنّ تجاهل لغة الفرد في المجتمعات المتعدّدة الثقافات يُعتبر نوعًا من أنواع الانصهار القسريّ داخل هذه المجتمعات، ما يُفقده هويّتَه الأصليّة وانتماءه إلى المجتمع المضيف. فإنْ كان تجاهلُ اللغة الأمّ انصهارًا قسريًّا في ثقافة الآخر، فكيف نصِفُ الحالة اللغويّة والثقافيّة في الوطن العربيّ؟

 

إشكالية واقع اللغة العربيّة

كثيرة هي التساؤلات التي تُطرح عن أسباب تدهور مكانة اللغة العربيّة محلّيًّا وعالميًّا في الزمن الراهن. فهل هو ناتجٌ من انهيار منظومة القيم في العالم العربيّ، أمِ العكس؟ وما هو تأثيرُ تدهور واقع هذه اللغة على بنية الهويّة العربيّة، أو حتى القطْريّة؟  وما هي الأسباب الداخليّة التي أدّت، وتؤدّي، إلى طمس مآثر اللغة وتغييب جذورها التاريخيّة والتخبّط في تعريف مفاهيم الهويّة والثقافة؟

لقد ساهمت ضحالة السياسات التربويّة العربيّة، المعلنة والضمنيّة، في محاصرة اللغة العربيّة في عقر دارها. إنّ غياب (أو تزعزع) الهويّة المدنيّة للدول العربيّة ، وارتهانَ هذه الدول للخارج  سياسيًّا وفكريًّا ، أثّرا حتمًا في  تلك السياسات ، ولم تتمكن هذه الأخيرة من حفظ مكانة اللغة الأم في خضمّ المنافسة القوية للغات الأجنبية. فالخطاب التربويّ- الرسميّ على الأقل- ما زال بدائيًّا، ولا يمتّ بصلة إلى احتياجات المجتمع العربيّ. والأنظمة التعليميّة في العديد من الدول العربيّة، وإنْ تبنّت ظاهرًا سياسات جعل اللغة العربيّة لغةَ التدريس الأولى، ما زالت تستقدم عددًا كبيرًا من المدارس الأجنبيّة الخاصّة ، ومنها مدارسُ تعتمد اللغات الأجنبية لغة التدريس الأولى في مناهجها وفي أنشطتها المساندة.

بتنا أمام أجيال من الطلبة لا يأبهون أو لا يمكنهم أن يتصدّوا للاستعمار الثقافيّ واللغويّ الذي طَبَعَ معظم مدارسنا في كثير من الدول العربية وساهم في صنع ما يسمى "ثقافة الهزيمة."

إنّ هذا يرتبط أيضًا بإشكاليّة المناهج التعليميّة التي يمكن وسمُها بطابعين: مناهج أجنبيّة مستوردة من الخارج من دون أيّ حدّ أدنى للمواءمة مع واقع المجتمع العربيّ وثقافته، ما أسهم في فرض ثقافة الآخر وزعزعة مفاهيم الانتماء إلى المجتمع العربيّ حتى بتنا ننظر إلى اللغة العربيّة نظرة دونية. وإن لم تكن هذه الحال، فهي مناهج  بدائية غير منقّحة مرتبطة بطرق تدريس تلقينيّة، وبفلسفة تربويّة رجعيّة لا ترقى إلى مستوى التطور الحضاريّ الذي عرفته المجتمعاتُ الحديثة. ومما لا شكّ فيه أنّ هذه المناهج التقليديّة قضت على الفكر النقديّ والتحليليّ لدى الطالب الذي تحوّل إلى مجرد متلقٍّ  لا دور فاعلًا له في عملية تطوير البنية الفكرية للمجتمع. وفي كلتا الحالتين، بتنا أمام أجيال من الطلبة لا يأبهون أو لا يمكنهم أن يتصدّوا للاستعمار الثقافيّ واللغويّ الذي طَبَعَ معظم مدارسنا في كثير من الدول العربية وساهم في صنع ما يسمى "ثقافة الهزيمة."

وأخيرًا، فإذا كانت النظريّات والدراسات الغربيّة نفسها ترى أنّ المحافظة على اللغة الأم مقدّمة للتطورالمعرفيّ والثقافيّ، فلا بدّ لنا من وقفة نقديّة أمام الواقع العربيّ. إنّ التمسك بلغة الضاد لا يأتي من حسٍّ شوفينيّ، وهو ليس دعوةً إلى التقوقع داخل جدران اللغة الأم، بل دعوة إلى ترسيخ دعائمها واعتمادها وسيلةً للانفتاح على بقية الثقافات والحضارات من موقع تنافسيّ متين، فنتمكّن عندئذ من الاندماج بدلًا من الانصهار الحتميّ أو القسريّ في حضارة العالم الجديد.

 


(1) PELO: Programme d’enseignement des langues d’origine


(2) Armand, F. (2005). Les élèves immigrants nouvellement arrivés et l’école québécoise. Santé, société et solidarité, 1, 141-152.

Armand, F. (2012). Enseigner en milieu pluriethnique et plurilingue : place aux pratiques innovantes! ”Québec français, 167, 48-50.

(3) Cummins, J. (2000). Language, power and pedagogy.Clevedon : Multilingual Matters.

Cummins, J. (2001). Bilingual children’s mother tongue : why is it important for education ? Sprogforum, 19, 15-19.

Cummins, J.(2001). Rights and Responsibilities of Educators of Bilingual-Bicultural Children.http://iteachilearn.org/cummins/rightsresponsbilinged.html

Cummins, J. (2001). The Ethics of Doublethink: Language Rights and the Bilingual Education Debate.http://iteachilearn.org/cummins/researchbildebate.html

(4) Maraillet, E. (2005). Étude des représentations linguistiques d’élèves au 3e cycle du primaire, en milieu pluriethnique à Montréal, lors d’un projet d’éveil aux langues.Communicationprésentée à l’AÉÉSSE, Montréal.

 

ترجمة المصطلحات:

إتقان الأساسيات المشتركة": common underlying proficiency

التعددية اللغوية الإيجابية (أوالمضافة): Additive bilingualism

التعددية اللغوية السلبية (أو الناقصة): Subtractive bilingualism

رلى قبيسي

حائزة دكتوراه في التربية من جامعة مونتريال. باحثة في مجال استراتيجيّات التعلّم والتعليم/عمليّة دمج الطلّاب المهاجرين في المجتمعات المتعددة الثقافات/ المنهج التاريخيّ والثقافيّ (historical cultural­ approach) في التربية والتعليم.