Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

شكرٌ غير موصول

نصّ

 

 

مدفوعون بعادةٍ مشوَّشة، نجد أنفسَنا نُثني على اللامتحوّل. نقول له: "شكرًا يا أصيل،" ثمّ نتمسّكُ بأذياله، ونتبرّكُ بها، لأنّه ما زال يحفظ في نفسه شيئًا من الطبيعة. وإنِ استثنينا ما نكيله من شكرٍ للربّ، ولآبائنا وأمّهاتنا، فإنّنا سنجد كيلًا من الثناء على الطبيعة: "أيّتها الطبيعة، شكرًا لأنّكِ ما زلتِ ثابتةً على طبيعتكِ!"

إيهِ أيّها المعلِّم، لقد أعلنوا موتَكَ، وقالوا إنّ هذا العصر عصرُ الأساتذة لا عصرُ المعلّمين؛ وإنّ المعلّم الذي كان يسير إلى جنب الأنبياء والفلاسفة قد لاقى حتفَه ودُفن في دار الحكمة؛ وإنّه ما عاد له من متّسعٍ لأنّ العصر ليس عصرَ المُلهِمين ولا صانعي الوحي ولا الرُّسُل، بل عصرُ الخبراء والتقنيين والفاحصين والباحثين عن طبيعة الضوء بدلًا من البحث في حقيقة الأنوار والمعاني العُلْويّة.

ولأنّهم أعلنوا موتَكَ، ونشروا صورًا لتمثالك التذكاريّ الذي زرعوه في الساحة قرب تماثيل الجنود المجهولين والشهداء والشعراء، أيْ قرب تماثيل الذين انقرضوا جميعًا وصار وجودُهم ــــ الحقيقيّ لا التخيّلي ــــ عبئًا، فقد صرتَ ملاحقًا، لا يمكنكَ العيشُ إلّا في المتاحف والساحات الفارغة. وإن سُجّلَ لكَ حضورٌ ــــ ولو في سقيفةٍ تجمع أكثرَ من عقل واحد ــــ فإنّ عقوبتك ستكون عقوبة المجنون الذي يفرّ من الغرف المسوّرة والمحصّنة: ساعاتٍ من التعذيب، وكسرًا للسواعد، وألمًا يفلُّ ما تبقّى من العقل.

إيهِ أيّها المعلمُ المُجانِبُ هذه الصفةَ، شكرًا لأنّك ما زلتَ، في القبو، خائفًا تترقّب.

إيهِ يا صاحبَ القضيّة، ألمْ تمُت بعد؟ لقد أعلنوا موتَ القضايا... أو إنّهم لم يعلنوا ذلك تمامًا، لكنّهم أوقفوا نموَّها، وقزّموها. قالوا لماذا تشبُّ عن الطوق؟ لماذا يتخطّى طولُها خصرَ الأقزام؟ لماذا لا نجعل حدَّها الحجابَ الحاجز؟ ثمّ أقفلوا أبوابَ التسامي، وقالوا إنّها أبوابٌ تأتي منها الريح. أقفلوها كما أقفلوا قبورَ قتلاهم بعد أن دسّوا فيها أمنيةَ الموتى التي لم تمت فيهم. وقالوا: مَن سيهتمّ بعقدة الإصبع هذه بعد أن مات ربُّها؟

شكرًا يا صاحبَ القضايا، يا حاملَ الأموات فوق أكتافكَ العريضة، والماضي بها نحو حياتهم وحتفِكَ. إيه أيّتها المُثُل، آخرُ مَن ذكرَكِ بخيرٍ قبرُه هناك في أثينا. نحن الآن في الكهف الضيّق ــــ الذي لا يتّسعُ إلّا لفردٍ واحد! ــــ نلتهي بالظلال الباهتة، ونلتقط صورًا احتفاليّةً مع طيفٍ لحيوان الهَيدرا الذي نظنّ أنّه يعود للإلهة المعشوقة أريس التي قَتلتْ أبولو وأثينا.

قتلوا فينا عشقَنا للحقيقة الأزليّة والخالدة، وقالوا إنّ الحقائق مرهونةٌ بالسير والصير، وإنّ الحقائق الوحيدة هي أرقامُ البورصة وفواتيرُ الهاتف. ثمّ جَهّزوا المقاصلَ للعقول التي جَرّبتْ ــــ من غير أن تجزم ــــ رؤيةَ ومضةٍ من ومضات الحقيقة.

شكرًا يا حاملًا رأسَه بيده، يا مارًّا من غير مكوثٍ في جمعٍ من الحاملين أجسادَهم إلى المصبغة.

إيهِ أيّتها الكلمة. أَعلنوا موتَ الإنسان، ثمّ أعلنوا موتَ المؤلِّف، وها أنا أُعلن موتَ الكلمة. أعلنه بكِ! شكرًا لأنّكِ ما زلتِ في موتكِ قادرةً على حمل هذا الإعلان!

إيهِ يا غريغور سامسا. شكرًا لأنّك لم تنمسخ لتصيرَ أكثرَ من حشرة!

لبنان

اتّصل بنا من نحن دار الآداب