Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

عن قابليّتنا للكسر: كيف نشبه بيروتَ وتشبهنا؟

مقالات

تتغيّر بيروت أسرعَ ممّا نريد، أو نتوقّع، نحن الذين نعتبر هذه المدينة ـــــ كأيِّ مدينةٍ ــــ مجالًا منفتحًا للتفاعل، ولإنبات الأجمل، وحيّزًا أوسعَ من قيمة البناء المادّيّة.

ربّما يتعلّق العقلُ أحيانًا بأشياءَ لا نَفهم قيمتَها، ويَرفض أن يتقبّلَ جديدًا يحلّ محلّها: كمبانٍ جديدةٍ في منطقة رأس النبع، أو كمصرفٍ احتلّ مكانَ مقهى المودكا في شارع الحمرا، أو كشارعٍ أزال شجرةَ سروٍ عمرُها مئتا عامٍ في منطقة الزيدانيّة.

"عادي، يحصل هذا في أيّة مدينةٍ أخرى،" يقول أحدُهم. "تتطوّر المدينةُ كما يتطوّر أيُّ شيءٍ آخر،" يقول آخر. أمْ أنّ الأمر غيرُ ذلك؟

بلى، لقد "تطوّرتْ" بيروتُ من قبل، كما حصل في أغلب المدن الأخرى. فهُدمتْ مبانٍ وعلت أخرى. اختفت البيوت الصغيرة التي تناثرت بين البساتين، وتلاصقت بيوت. ظهرتْ حارات. بُنيتْ منازلُ كبيرة، وقصورٌ بينها. في الأربعينيّات ظهرتْ بناياتٌ فيها موادُّ لم تُستعملْ من قبل. بتنا نشهد ابتكاراتٍ محلّيّةً للنمط الحداثيّ في العمارة. ثمّ جاءت الحرب، ورأينا دمارًا من جهة، وبناءً "غيرَ شرعيّ" من جهةٍ أخرى.

لكنّ ما جرى بعد الحرب الأهليّة كموجةٍ أولى، ثمّ ما يجري منذ حوالى سبع سنين كموجةٍ ثانية، أكبرُ وأفدحُ وأكثرُ تمدّدًا. وهو يحصل بشكلٍ لا يسمح لأيّ شيءٍ غيره بالبقاء بسبب كثرة المباني الجديدة التي تظهر، وبسبب حجمها، ومن ثمّ تأثيرِها في ما حولها. نحن لا نتكلّم على أبنيةٍ جديدةٍ هنا أو هناك، بل على نسيج عمرانيّ متكامل يختفي، ونسيجٍ آخرَ غيره يظهر قائلًا: "أنا ربُّكُم الأعلى، لا عمارة إلّا أنا."

ما يؤلم حقًّا هو أنّ هذه الموجة، التي لا تُغيّر شكلَ المباني فقط، بل تطول ماهيّةَ هذه المدينة، وصيرورتَنا فيها، وعلاقتَنا بها، لا تلقى أيّةَ مقاومةٍ تُذكر. قد يجري كلامٌ أو نقدٌ أو مساءلةٌ لما يجري، وكلُّ ذلك ناتجٌ من شعور الناس بالقهر وإحساسهم بالظلم؛ لكنّه لا يجري بوعيٍ، ولا ضمن خطّةٍ ممنهجةٍ لوقف هذا التغيير.

في تصميم المدينة "الحديثة" في خمسينيّات القرن المنصرم، قضى المصمِّمون والمعماريّون أن تنفصل المناطقُ الخدماتيّة بعضُها عن بعض؛ فعمدوا إلى تحديد موقع الأسواق، وموقعِ المركز التجاريّ، وموقعِ المساكن، وموقعِ المستشفيات والجامعات، كما المعامل والمطارات وغيرها. والهدف من ذلك هو "تنظيمُ" حركة المرور والازدحام، و"تسهيلُ" حياة المواطنين، وربّما تسريعُ الإنتاج، كما في نظام "فورد" للإنتاج في المعامل: إذ تُفصل الأعمالُ بعضها عن بعض ليكون الإنتاج أسرع.

لكنّ المدينة ليست معملًا، والحياة فيها لا تجري بفصل أجزائها بعضِها عن بعض.

في الكثير من الدول، وعبر كثيرٍ من المراحل، أثبت هذا "الشكلُ المدينيُّ" فشلَه، وأثبت أنّ علاقة الإنسان بالمكان عضويّة (بمعنى أنّه لا يستخدم الخدماتِ مفصولةً بعضَها عن بعض). ثمّ إنّني قد لا أجد إلّا القليلَ من المناطق ذاتِ الهندسة "الجديدة" يُمتعني المشيُ فيها، والتلصّصُ إلى أشكال مبانيها وزواياها، كما يمتّعني المشيُ والتلصّصُ في حيّ اللّجا والبسطة وزواريبِ الصنايع الشعبيّة.

نبدأ بالحديث عن المدينة "الحديثة" لأنّ بعضًا ممّا كانته بيروتُ في الماضي بقي مترسّخًا في رؤيتنا لِما يجب أن تكونه في المستقبل. فـالوسواسُ القهريّ الذي يسعى إلى شكلٍ موحّد للأشياء، والشوارعُ الخالية من "التعدّيات،" والخدماتُ المفصولة بعضُها عن بعض: كلُّها أشكالٌ مختلفةٌ من المنظومة الواحدة التي تَحْكم نظرتَنا إلى المدينة اليوم، فترانا من خلالها نشجّع مسحَ القديم منها (أو غيرَ المنظّم)، ليترك مكانًا لما هو جديدٌ وبعيدٌ عنّا. وفيما يختفي النسيجُ المتنوّع، تكون الفكرةُ "الحديثة" للمدينة هي الموجِّهَ الأساسَ والحجّة التي يبنى عليها تقبّلُ التغيير وتطويرُ الموجود.

فالحيّز الذي نحتلّه، مسكنًا ومقاهيَ وشوارعَ وساحاتٍ وكورنيشًا وشاطئًا ومبانيَ رسميّةً ومدارسَ وجامعاتٍ ومستشفيات، لم يصبح على ما هو عليه اليوم إلّا عبر الزمن: تَرَاكَمَ الجديدُ عليه، فتداعى ما قبله، وبقي منه اسمُ شارع هنا، وجدارٌ أو اثنان هناك، ومبنًى فارغٌ هنالك. إنّ "قيمة" مدينةٍ ما، بمعنى قدرتِها على إغنائنا كأفرادٍ ومجتمعات، لا تتأتّى من أن تكون ساحةً "نظيفةً" فارغةً تنتظر يدَ الدولة أو المطوِّر كي ترسم شبكةَ طرقٍ وخرائطَ مبانٍ. ليس هذا هو مفهومَ "المدينة" الذي نحتاج إليه، وليس هذا هو ما يغذّي فينا البحثَ ويستفزّ البصرَ واللمسَ والخيالَ والذكرياتِ والتاريخ.

كلّما مشيتُ إلى جانب مبنًى قديمٍ، مددتُ يدي ولمستُ حجرَه. قد لا ينطبق هذا التعلّق على كلّ المباني، لكنّ علينا أن نترك مجالًا ما لمثل هذه العلاقة بمفهوم المدينة هذا. فليس كلُّ ما نريده متعلّقًا بسعر الأرض، وبكلفةِ البناء والسوق العقاريّة. إنّ ما يَحْكم سعادتَنا، واللذةَ التي نحسّ بها في مكانٍ ما، أو تحت ظلٍّ ما، ليس ماديًّا بالضرورة، بل هو أحيانًا في كون المجال أقلَّ ترتيبًا وأكثر تغيّرًا مع الزمن... مثلنا قليلًا.

في نظرةٍ خاطفةٍ إلى الشكل المدينيّ الجديد الذي يتمدّد عبر أحياء بيروت، يبدو واضحًا أنّ ما يُطرح، تطبيقيًّا ونظريًّا، هو انقطاعٌ تامٌّ عمّا تشكّله بيروتُ بالنسبة إلينا. فما يُبنى ليس بيروتَ، وليس جزءًا منها، ولا يشْبهُها. إنّ ما يتمّ تغييرُه ليس شكلها فقط بل وظيفتها أيضًا: من مكانٍ يختلط فيه المسكنُ بالمرقص، والسوقُ بأماكن العبادة والعمل، وتختلط فيه مبانٍ جديدةٌ وقديمةٌ، وأحياءٌ فقيرةٌ وغنيّة... إلى كتلٍ من مبانٍ مخصّصةٍ للأغنياء، محكمةِ الإغلاق من الشارع حتّى الشرفات، "معقّمةٍ" ضدّ الحيّز العام، فضلًا عن كتلٍ أخرى من أماكن اللهو والتجارة معًا. تنغلق المدينة، تصبح فضاءاتٍ شبهَ عامّةٍ لنشاطات شبه اجتماعيّة، في بيئات منضبطة التصميم حتّى الملل، كما في المجمّعات (المولات). لو تصوّرنا "تطوّرَ" هذه المدينة، بشكلٍ مبالغٍ فيه وتراجيديّ ربّما، بالاتّجاه الذي تريده "السوقُ" حاليًّا، فستكون عبارةً عن: كتلٍ هائلةٍ ينغلق بعضُها على بعض؛ مساكنَ للأغنياء، والشارعُ مقفرٌ إلّا من بضعة نواطيرَ يكنسون الغبارَ من أمام سلّم المدخل الذي لا يدخله راجلٌ؛ وبين الكتلة والأخرى، كتلٌ أكبرُ قليلًا، يلتقي فيها السكّان للعمل والتسلية. لا شيء بين الاثنين، لا شيء غير الاثنين: كتلة العيش وكتلة التجارة.

***

فيما تتغيّر المدينةُ من حولنا، نتغيّر نحن أيضًا. يتناقص تعاملُنا مع الحيّز العامّ، يتقلّص احتكاكُنا بعوالمَ أخرى وتجاربَ أخرى ومفاهيمَ أخرى.غير أنّ هذا الاحتكاك هو بالضبط ما يجعل من مدينةٍ ما تجربةً تُغْنينا كأفراد. وفيما يتبدّل انعكاسُ الضوء بين الأبنية، ننسى أنّ الشوارع أكثرُ من ممرّات، أكثرُ من خيطِ وصولٍ إلى نقطة محدّدة، ونفقد حاجتَنا إلى الانفلات خارج نفوسنا، إلى الانفلات من ضيقنا باتجاه فضاءات المدينة.

يقول هايديغير إنّ المكان هو الحيّزُ الأوّلُ والوحيدُ الذي نعرفه خارج أنفسنا. هناك إذًا "الأنا" و"المكان": كيانان مفصولان، ولكنّهما متشابكان في الوقت نفسه، يمتصّان المعنى أحدُهما من الآخر، يدوران في "حلقةِ سماعٍ،" فيأخذ أحدُهما من الآخر ويعطيه.

في أول سِنيّ دراستي، فكّرتُ في أنّ ما يجعل هذه المدينةَ قريبةً منّا هو ما لا نتوقّعُه منها، ما لا نتوقّعُه فينا: أن نمشيَها متعثّراتٍ بهمومٍ لزجةٍ، فنجدَ رغمَ المباني بحرًا، وبعد ضجيج الشارع زاروبًا للكسل؛ ونستذكرَ ما ليس دائمًا ملموسًا، ألا وهو هشاشتُها وهشاشتُنا معًا. في هذه المدينة، تجمعنا قابليّتُنا للكسر، مع انفلاتها وقدرتها على إدهاشنا. ربما تكون بيروت كمدن كثيرة أخرى، أو أقلَّ منها جمالًا، لكنّها تلك المدينة التي فيها نتواصل مجدّدًا مع قابليتنا للكسر، قابليتِنا للتبدّل مع مرور الزمن وتراكمِ المراحل والأشكال واحتمالِ الزوال.

بقدر ما نحتاج إلى هذه القطع التي تعيدُها بيروتُ إلينا، نحتاج إلى بيروت الحاليّة أيضًا، المتراكمةِ بعضها على بعض، المتناثرةِ ذكرياتٍ ومعاركَ ومقاهيَ، والمتدلّعة بين ليلٍ وشاطئٍ وأضواءِ شارع.

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب