"ومِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيم"*
15-10-2016

 

 

كلّما سعل جدّي كانت جدّتي تقول بصوتها اللطيف: "الله!" وكان يتعمّد، في كثير من الأحيان، السّعالَ كي يسمعَ تلك الكلمة. وما كانت تخيّبُ آمالَه حتّى في حالات الخصام، فيبتسم ويتنحنح قائلًا: "الله يخليلي ياكي." فلا تردّ، بل تكتفي بالتحديق في الأفق، كأنّها تراقب حدثًا جللًا يحصل هناك. يقول عمّي شاهين عن أبيه: "إنّه أسطورةٌ تمشي على قدمين،" ويُطلق على أمّه لقب "الملكة،" ويحرص على تقبيل يدها صباحَ كلّ يوم، ما يجعل جدّي يحتجّ مطالبًا بالمساواة، فيعتصره عمّي بين يديه، ويرفعه عن الأرض قائلًا بصوته الجهوريّ: "أنت البوس ما بينفع معك." فيضحك جدّي بمرح، ويصفه بـ"العرص الكبير."

يقال إنّ جدّي ــــ الأسطورة، واسمُه فهد، أحبّ تسنيم، ابنةَ عمران بيك، حين رآها ذات يوم خارجةً من قصر والدها، تجرّ خلفها فرسًا، وحولها مجموعةٌ من الصبايا، بدت وسطهنّ كالبدر في كبد السماء. حدث ذلك منذ سنوات بعيدة، حين كانت الليالي تطول وتطول، وتتوقّف عجلةُ الأيّام عن الدوران في روزنامة العشّاق. كان جدّي في تلك الأيّام شقيًّا بكلّ معنى الكلمة. واعتاد أهالي قريته والقرى المجاورة سماعَ حكاياته ومغامراته العاطفيّة على ألسنة الناس؛ يتناقلونها كأنّها نشراتُ أخبار. ولم يكن ينكر تلك الحكايات، بل كان يزيد عليها، معلنًا عن سرقاته ومعاركه، وعن الجميلات اللاتي كنّ يُدْخلنه بيوتَهنّ خفيةً في ليالي كانون الباردة، فيقضي معهنّ وقتًا "عالميًّا،" كما كان يسمّيه ثمّ يضحك منتشيًا، وسط نظرات الرجال المشكِّكة والحاسدة. ودائمًا كان يؤكّد بإصرار: "أنا لا أسرق الفقراء، ولا أقتحم من دون دعوةٍ أسرّةَ النساء!"

كانت حظوظُ فهد، الفلّاحِ بن الفلّاحِ الفقير، شبهَ معدومةٍ في الوصول إلى تسنيم؛ "حلْمَ إبليس بالجنّة" كما يقولون. لكنّ ذلك لم يمنعْه من ملاحقتها ومراقبتها، وتصيُّدِ أخبارها، ونظْمِ الأشعار في جمالها وفي عشقِه لها. وكلُّ ذلك حدث خلال أشهر قليلة بعد أن رآها في ذلك المشهد البديع. وحصل عدّة مرّات أنْ رآها من بعيد، ولوّح لها بيده، لكنّها كانت تتجاهل تحيّتَه وتمضي في طريقها... سوى مرّة واحدة رآها ــــ ولم يصدّقْ ــــ ترفع يدَها بشكلٍ خاطف، قبل أن تستدير وتغيبَ خلف الأشجار. فزاد ذلك من تعلّقه بها، وخطا خطوةً جريئةً حين قابل إحدى الخادمات المقرّبات إليها، وأرسل معها صرّةً قماشيّةً تحوي هديّةً بسيطة، أو "عربونَ محبّة" (كما أخبر الفتاة). لكنّها أعادتها إليه بعد ساعة، وأرفقتها برسالة شفهيّة من سيّدتها، مفادُها: "الزمْ حدودَكَ وإلّا..." فأخذ الصرّة، ثمّ توجّه إلى قصر البيك، وطرق البوّابةَ الضخمة التي بقيتْ مُغلقةً، لكنْ فُتحتْ فيها طاقةٌ صغيرةٌ أطلّ منها وجهُ رجلٍ دميم سأله باحتقار: "ماذا تريد؟" فردّ فهد بلا تردّد: "مقابلة البيك."

فُتح البابُ بهدوء شديد، ليجد نفسَه أمام عمران بيك وجهًا لوجه. كانت تسنيم تراقب من نافذة غرفتها ما يحصل، وتدعو اللهَ أن يمرّ الموقفُ من دون وقوع كارثة. لكنْ هيهات؛ فالبيك يكره بشدّةٍ أن يتطاولَ عليه أحد مهما كان، فكيف بهذا الصعلوك الذي تلوك سمعتَه ألسنةُ الناس؟ لذا ما إنْ أعلن فهد عن سبب زيارته، حتّى انفجر البيك كالبركان، واندفع باتّجاه ضيفه، موجِّهًا إليه صفعةً صاعقةً، تفاداها الضيفُ لسوء حظّه، فاختلّ توازن البيك، وسقط أرضًا. هنا اندفع على الفور ثلاثةُ رجال كالوحوش، فقبضوا على العاشق المسكين، ثمّ كبّلوه بالحبال، وربطوه إلى جذع شجرة وسط الساحة أمام بوّابة القصر. وما هي إلّا لحظات حتّى كان البيك شخصيًّا يسوطه صارخًا بطريقة هستيريّة:

"ومَن تكون كي تطلب يدها للزواج يا حيوان؟"

ويُحكى أنّه استراح مرّتين قبل أن يُنهكه التعب، ويأمرَ بإلقائه خارج الأسوار، والدماءُ تنزف من ظهره، وصوتُ أنينه يخترق جدرانَ القصر، ليصل إلى أذنَيْ تسنيم، التي كانت تبكي بحرقة، وتوبّخ نفسها لأنّها لم تتصرّف بطريقةٍ ألطف، وتجنّب العاشقَ المجنونَ هذا المصير.

لم تستطع تسنيم النومَ في تلك الليلة، وبقيتْ تتقلّب في فراشها، تكاد تختنق من الغمّ. وبعد تفكير طويل، أيقظتْ خادمتها، التي جاءتها بالهديّة، وطلبت منها مرافقتها.

***

كان الظلام يخيّم في الخارج. وكانت السماء تتوعّد بعاصفةٍ على وشك الهبوب. إلّا أنّ تسنيم أصرّت على الذهاب، فتسلّلتْ برفقة الفتاة من الباب الخلفيّ للقصر، وخرجتا إلى الطريق الضيّق الذي يقود إلى بيوت القرية أسفلَ التلّ. بعد عدّة طرقات على الباب المتهالك لبيت فهد، تسرّب ضوءٌ بسيطٌ من بين شقوقه، وسُمع صوتُ امرأةٍ تسأل: "مَن هناك؟" لكنّ الباب فُتح قبل أن تتمكّن أيٌّ منهما من الجواب.

دخلت الضيفتان، فوجدتا فهدًا ممدّدًا فوق فراشٍ بسيطٍ قرب موقد النار الخالي إلّا من الرماد. كانت تسنيم مرتبكة، وفي حاجةٍ إلى كلّ ثانيةٍ من الوقت؛ لذا لم تترك له مجالًا للكلام، وقالت: "جئتُ كي أعتذر إليك، وأطلبَ منك الهديّةَ التي أرسلتَها إليّ." كالمنوّم، مدّ فهد يده إلى جيبه، وأخرج صرّةً صغيرة، خطفتْها منه، وفتحتْها، لتجد فيها مشطًا مصنوعًا من خشب السنديان. قال فهد إنّه صنعه بنفسه، وزخرفه خصّيصًا لها. لم تصدّق حتّى رأت اسمَها محفورًا في زاويةٍ منه، محصورًا بين عصفورين صغيرين. أخذت الهديّة وشكرته. ثمّ شكرتْ أمّ فهد، الأرملةَ الحزينةَ التي وقفتْ مذهولةً طوال الوقت لا تفهم ما يحصل، ولم تنبس سوى بالدعاء للبيك بالصحّة وطول العمر. وقبل أن تخرج، طلبت تسنيم من فهد ألّا ينتقمَ من أبيها، ولم تتحرّك حتّى وعدها بذلك.

لكنّ موت الأخير، بعد عشرة أيّام بالتمام والكمال، جعلتْ من وعده موضعَ شكّ. ولولا العثور عليه ميتًا في سريره، من دون وجود آثار عنفٍ على جسده، لما صدّقته لو ابتلع البحر. ورغم ذلك، بقيتْ عدّة أسابيع ترفض مقابلتَه رغم توسّلاته التي كانت تصلها مع خادمتها بشكلٍ يوميّ. فما كان منه إلّا أن تسلّل إلى القصر في ليلةٍ ليلاء، وتسلّق إلى غرفتها مستخدمًا شجرةً قريبةً من النافذة، ودخلها كما يدخل اللصوصُ، ليقف أمامها: في يده بلطة صغيرة، وخنجرٌ بلا غمد، مثبتًا على خصره.

بثّ فهد في نفس تسنيم الرعبَ. لكنّها لم تصرخ، وبقيتْ تحدّق فيه إلى أن قال: "جئتُ كي أثبتَ لكِ أنّني لم أقتل والدَكِ." فهزّت رأسها أنّها تصدّقه. ثمّ قال: "جئتُ كذلك كي أطلب يدك للزواج." وتابع الحديث:

"لن أعود إلى حياتي السابقة. لن أسرق أحدًا بعد اليوم. وسأبتعد عن النساء مدى الحياة. أعِدُكِ بأن أجعلكِ أسعدَ امرأةٍ في الوجود، وسأعاملكِ كملكة، لا كأميرة أو ابنةِ بيك. أعِدُكِ بأن أحبّكِ إلى يوم مماتي. وسأغنّي لكِ أجملَ الأغاني، وأكتب لكِ أجملَ الأشعار. وأعدكِ بأن أقتل نفسي الآن إنْ لم توافقي على الزواج منّي. حياتي بين يديكِ، ولا ينفع السكوت؛ فسكوتُكِ يعني الرفض."

 كانت تسنيم المذهولة تحدّق إليه مرعوبةً، عاجزةً عن الحركة والكلام. وتفاقم رعبُها عندما رأته يستلّ خنجرَه، ويضعه على رقبته بانتظار الجواب.

***

كان جدّي جميلًا في شبابه. ولا تزال ملامحُه تشي بذلك إلى اليوم. وكانت حكاياتُه ومغامراتُه تصل إلى أسماع تسنيم، فتضحك وتعتبر هذه الحكاياتِ المجنونةَ من اختلاق أهالي القرية. لكنّ شخصيّة هذا الشابّ المغامر، زيرِ النساء، اللصّ، المشرّد، صاحبِ الصوت الجميل، المشهورِ رغم فقره وفقر عائلته في كلّ القرى على امتداد الجبال؛ كلّ ذلك جعل منه لغزًا مثيرًا شغل بالَها كثيرًا. لكنّها لم تتوقّع يومًا أن تجده أمامها كأنّه جنّيٌّ انشقّت عنه الأرض: في إحدى يديه بلطة تلمع شفرتُها، وفي الأخرى خنجرٌ مغروزٌ في عنقه، وفي عينيه وعودٌ تمنّتْها طيلة حياتها من فارس الأحلام الذي لم يكن ذاك الذي يقف أمامها الآن بكلّ تأكيد. لم تتوقع حتّى في أسوأ كوابيسها أن تجد نفسَها في هذا الموقف. ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ هل تصرخ؟ هل تسكت؟ وقفتْ متردّدةً وقد أصابها الخرس، بينما رأس الخنجر يغوص في عنق الرجل لتظهر بعض قطراتُ الدم.

كانت تسنيم تعيش في قصر والدها، ولا تخرج منه إلّا لزيارة أقاربها في القرى البعيدة، أو حين ترافق والدها إلى المدينة، حيث يلتقي بعضَ أصدقائه من الفرنسيين أو البكوات أو تجّارِ المدينة الكبار. لذا، لم يكن أحدٌ من أهالي القرية يعرفها عن قرب، ويعرف مدى جمالها، سوى الخادمات اللواتي كنّ يصفْنها دائمًا بالقمر المصوّر.

وكانت لتسنيم الجميلة كتيبةٌ من العشّاق الأثرياء. ويُحكى أنّ أحد الضبّاط الفرنسيين أهداها مسدّسًا حربيًّا، وفستانًا مصنوعًا في باريس، واعتُبرتْ هديّتُه من قِبل أمّها ووالدها بمثابة إعلان خطوبة. ففرحا للأمر، وأعلنا الخبر على الملأ. لكنّ فرحهما لم يطلْ؛ إذ لقي "عريسُ الغفلة" مصرعَه على يد أحد الثوّار أثناء إحدى المواجهات بين أبناء البلد وجنودِ الاستعمار. وزاد هذا الحدثُ من احتقار عمران بيك للفقراء والرعاع الذين يحملون السّلاح في وجه أصدقائه الفرنسيين. كلّ هذا وقف بينها وبين فهد المجنون بحبّها؛ كلّ تاريخ عائلتها، وكلّ تاريخ عائلة فهد، وتاريخِه الشخصيّ الذي لا يمكن تجاهله. لكنّ قطرات الدم على رأس الخنجر، وكلامَ صاحبه ووعوده، وإعجابَها الخفيَّ به سابقًا، جعلها تومئ برأسها موافِقةً، قبل أن يُغمى عليها فجأة.

بصعوبةٍ استطاع فهد الوصول إليها. حملها بين ذراعيه، ووضعها في سريرها قبل أن تسقط على الأرض. ولم يعرف إنْ كانت موافقتها بهذه الطريقة قد جاءت خوفًا منه، ومن الموقف عمومًا، أمْ أنّها وافقتْ بحقّ.

شعر بالغضب. وكاد يصرخ، إلّا أنّ منظر تسنيم الممدّدة أمامه لجمَه. وأخذ يحدّق في جمال وجهها بعد أن زالت عنه معالمُ الرعب. فتأثّر كما لم يتأثّر من قبل. حتّى إنّه بكى ولعن نفسه على فعلته هذه. وبقي جالسًا قرب سريرها، إلى أن رآها تتحرّك، واطمأنّ أنّها بخير. فتسلّل عائدًا كما جاء. وبقي يراقب نافذةَ غرفتها من بعيد، إلى أن أشرقت الشمس، ورأى أحدَهم يزيح الستارةَ، فارتاح قلبه وذهب إلى النوم.

***

بقيتْ تسنيم طريحة الفراش عدّة أيّام. ولم تخبر أحدًا بما حصل. وهذا ما عرفه فهد، وتأكّد منه حين لم يلاحقْه أو يسألْ عنه أحد من عائلة البيك أو رجاله. لكنّه بقي ينام خارج البيت تحّسّبًا لأيّ مؤامرةٍ قد تحاك ضدّه.

كان الوقت يمرّ بطيئًا بالنسبة إلى فهد المتيّم الذي تخلّى عن كلّ شيء، وتفرّغ لمراقبة نافذة معشوقته. وجلس ينْظم الأشعار ويغنّيها بصوته الحزين، فيتناقلها الناسُ وتصل إلى أسماع تسنيم، فتختلط عليها مشاعرُها ولا تعرف: أتفرح أم تحزن؟! لكنّها، كالكثيرات من بنات جنسها، كانت تتأثّر بكلام الغزل وقصص الحبّ والغرام، وباتت تكره حياتها المسجونة بين الجدران. ويبدو أنّ روح المغامرة والتمرّد بدأتْ تدقّ في صدر الصبيّة الجميلة التي تجاوزت العشرين من عمرها بسنتين لا غير. وكانت تُعتبر، في تلك الأيّام، ممّن فاتهم ــــ أو يكاد ــــ قطارُ الزواج. لكنّها كانت ترفض جميعَ من يتقدّم لها، بما فيهم "عريسُ الغفلة،" الضابطُ الفرنسيّ الذي كانت تحلم به كلُّ فتاةٍ تعرفها، والذي قُتل تاركًا لها مسدسًا لم ولن تستخدمه، وفستانًا باريسيًّا لم تلبسه سوى مرّة واحدة حين جرّبته.

مضى شتاء وجاء آخر، والحال كما هي. سوى أنّ فهدًا استطاع التسلّل ثلاثَ مرّات إلى غرفة محبوبته، كما فعل سابقًا، لكنّه لم يكن يصطحب معه سوى الأزهار. وكانت تسنيم تبقى صامتةً طيلة الوقت تستمع إليه. وبعد ذهابه كانت تبكي وتبكي وتبكي، إلى أن تشرق الشّمسُ فتنام، والدموعُ في عينيها، وفي عقلها ألفُ سؤال.

***

حكايةُ جدّي فهد وجدّتي تسنيم حكايةٌ طويلة، فيها الكثيرُ من التفاصيل والأحداث. فيها الكثير من المغامرات والأخطار. فيها مَن اختفى بلا أثر. فيها محاولاتُ اغتيال. فيها أملاكٌ وثرواتٌ وُزّعتْ بغير عدل. فيها مشاعرُ حسد وكراهية. فيها الكثير من الفرح، والكثير من الجنون، والكثير والكثير من الحزن. فيها جدّي الأسطورة الذي قاتل من أجل حبّه، وفيها جدّتي الملكة التي تخلّت عن كلّ شيء للتربّع على عرش قلبه الغنيّ بالحياة. فيها قبلاتُهما المحمومةُ فوق أكوام القمح على البيادر، وأنفاسُهما اللاهبة، وتأوّهاتُهما قرب معالف الأحصنة وفي أقبية المونة وفي كلّ مكان. فيها مجونٌ لا يخطر على بال. فيها تحرّرُهما من كلّ القيود، وتحليقُهما في سماء الحبّ الصافية. فيها وعود وعهود. فيها هروبُهما من القرية في ليلة ظلماء، وأغاني جدّي وأشعارُه التي طارت إلى كلّ مكان. فيها ضحكاتُ تسنيم التي ملأت الوديان. فيها سعادةٌ جاءت على شكل أطفالٍ تربّوا على المحبّة والسلام، وعلى عشق الفنّ والعلم والمعرفة؛ تربّوا على أغاني والدهم وأشعاره، وعلى جمال والدتهم وأناقتها وسحرها. خمس زهرات تخاطفت في ما بينهم الأيّام. خمسة أقمار زيّنوا ليالي تسنيم، وأضاءوا دروبَ فهد الذي أوفى بوعوده كلّها.

ونحن، الأحفادَ، كبرنا على حكايات جدّنا وبسماتِ جدّتنا وحضنها الدافئ الحنون. ولنا الكثير من الذكريات. جدّي الأسطورة، الذي فعل ما فعل في حياته السابقة، تحوّل معنا، نحن أحفاده، إلى حمل وديع. ولم نكن لنصدّق أنّ هذا هو من نسمع عنه تلك الحكايات. وكانت جدّتي تغضب منه كلّما رأته يلاعبنا كأنّه واحدٌ منّا. وكانت تغضب أكثر حين تراه يعلّمنا بعضَ الشيطنات. وكانت تخاصمه وتتوقّف عن مخاطبته لأيّام، مثلما حصل حين رأَته وقد جمعَنا، نحن الصبيان الأربعة، صفًّا واحدًا عراةً كما خُلقنا، وأدار بيننا مسابقةً، وخصّص جائزةً لمن يطلق أطولَ خيط من البول. وأخذ يضع العلامات على الأرض ويسجّل النتائج. وكنّا منسجمين، وضحكاتُنا تفضح لهونا. ولم نشعر إلّا والجدّة تصفعنا على مؤخّراتنا الصغيرة طالبةً منّا "التستّر،" متوعّدةً الجدَّ المسكين بأقسى العقوبات. وكنّا نخشى على جدّنا، ونتعاطف معه. ونذهب إلى "الملكة" للتوسّط له، ولا نتركها إلّا حين نرى ابتسامتَها السّاحرة، ونسمع منها كلمة: "سماح." وكان جدّي يضحك ملء قلبه، ويعِدنا بألعاب جديدة متى هدأت الأوضاع!

***

هكذا كانت حياتنا: بسيطة، غنيّة، مسالمة، مليئة بالحبّ والفرح والآمال. وهكذا كانت حياةُ أهلنا من قبلنا، وكلُّ ذلك بفضل الحبّ الذي زرعه جدُّنا الجميل وجدّتُنا الساحرة اللذان تمّردا على واقعهما، وخرجا عنه غير آسفين. وبقي الأمر كذلك حتّى كبرنا وأصبحنا شبابًا نتغنّى بهذا الإرث العظيم.

لكنّ للحكايات نهايات؛ وحكاية جدّي وجدّتي كانت بحاجةٍ إلى نهاية، أشعل فتيلَها حديثٌ عابرٌ في إحدى السهرات، حين كان جدّي يعود بذاكرته إلى أيّام زمان. قال شيئًا عن حادثة موت البيك عمران، يوحي بأنّه قُتل ولم يمتْ ميتةَ ربّه كما اعتقد الجميع. كان جدّي يبدو ضعيفًا، وكانت الشيخوخةُ تفعل فعلها، وتزحف بقسوة فوق سنوات عمره الثمانين. ويبدو أنّه كان في حاجة إلى شيء يعيد إليه أمجادَ الماضي الدفين، فقال ما قال. استوقف جدّتي الحديثُ، وسألته باهتمام ــــ كأنّها كانت تنتظر هذه الهفوة منذ عقود ــــ أن يشرح لها كيف عرف ذلك. إلّا أنّه لم يفعل، واكتفى بالقول إنّ هذا من الماضي ولا نفع من الخوض فيه الآن. أصرّت جدّتي، وقابلها بإصرار مماثل. فارتفع صوتُها وهدّدته بأنّها لن تتكلّم معه بعد اليوم إنْ لم يشرح ويفسّرْ حديثه. ثمّ حاصرتْه بالأسئلة حتّى أخرجته عن طوره حين وصفته بالجبان، فقال بصوتٍ يشبه الانفجار: "نعم قتلته."

ساد الصمتُ، ولم يخرقه سوى صوت جدّي الذي أضاف بحزم: "وكنتُ على استعداد لقتل عشرة رجال آخرين من أجلك لو اقتضى الأمر." شعرنا أنّ الأرض مادت تحتنا. وشعرنا أنّ الهواء صار سميكًا، وأنّ صدورنا ضاقت، وأنّ ما حصل الآن هو النقطة في نهاية السطر.

كان هذا الوعدَ الوحيدَ الذي لم يصنه جدّي. لم تستطع الملكة تسنيم أن تغفر له رغم كلّ شيء. فبقيت تبكي، وانعزلتْ في غرفتها لأيّام، ثمّ صارت تهذي، ودخلتْ في غيبوبةٍ لم يستطع الأطبّاءُ تفسيرها أو إخراجَها منها. إلى أن ماتت بعد شهر، وجميعُ أحفادها وأبنائها حولها.

جدّي الذي بكى بحرقة لم يتراجع عن موقفه. وسمعناه عدّة مرّات أثناء الدفن يقول: "سأقتله حتّى لو عاش ألف مرّة." وعندما احتضنتُه لأخفّف عنه، قال بصوت رقيق وهو يمسح على وجهي بكفّه الخشنة: "لو لم أقتله لما وُجدتم في هذه الحياة." لم أعلم بمَ أجيب، واكتفيتُ بأن دفنتُ رأسي في صدره، وأخذت أبكي وأنا أردّد: "لا عليك، لا عليك، يا جدّي الجميل."

بعد أيّام قليلة مات جدّي من شدّة الحزن، وانتهت أسطورته، وانتهت الحكاية التي خُلقنا منها ــــ وربّما من أجلها ــــ لنحمل وزرَ جمالها وخيباتها، وكلَّ ما فيها من حسنات وسيّئات.

اللاذقيّة

                          

* تسنيم: ورد في القرآن: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ (المطففين:27)، وهو عينُ ماءٍ في الجنّة، ويشربها صرفًا المقرّبون من عباده. ولعلّها أرفعُ شرابٍ في الجنّة.

عصام حسن

رسّام كاريكاتير، وكاتب من اللاذقيّة، سوريا. أقام العديد من المعرض في سوريا وشارك في معارض خارجها، له مؤلّفات عديدة، منها: ما قلّ ودلّ وهيك وهيك  (رسوم كاريكاتيريّة)، غيمة الشعر الوردية، وأكره اللون الأحمر (نصوص ورسومات للأطفال)،الحرب ومربّى الفريز،  وحدثينا يا شهرزاد، وعن الحب وفأر الطحين (نصوص وحكايات مختلفة).