Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

أين أولادُنا؟

قصة قصيرة

 

 

مُقيّدًا إلى هذا العالم بمجموعةٍ من الأسلاك الملوّنة، تلتصقُ نهاياتُها في مختلف أنحاء جسدي، وتمتدُّ إلى الطرف الآخر حيث الكثير من الأجهزة، أقضي الساعات مراقِبًا ما يدور حولي. أرى الناسَ قادرين على السير، قادرين على الالتفات. يضحكون. يرفعون أصواتَهم. يهمسون. وأنا عاجز عن الإتيان بأيّة حركة.

لا أذْكر شيئًا. لا أذْكرُ مَن أنا. لا أذكرُ اسمي. لا أذكرُ سببَ وجودي هنا. وعجزي عن النطق صعّبَ عليّ المسألة. أُفاجَأ، كلَّ حين، بسيّدةٍ جميلةٍ تجلس قربي وتبكي بحرقة. أتساءل: "أهي زوجتي؟" وأشعر بالذنْب لأنّني أسبّب لها كلَّ هذا الأسى.

لا أعلم منذ متى وأنا على هذه الحال. حاولتُ مئات المرّات شحذَ ذاكرتي لألتقطَ أيّة معلومةٍ عن نفسي، لكنْ دون جدوى.

***

في ساعات الليل أبقى وحيدًا. يُجافيني النومُ غالبًا، وأشعر بالفرح لزيارات الممرِّضات من أجل إعطائي الدواءَ ومراقبة عمل الأجهزة. لا أشعر بالألم! أأفرح أمْ أحزن؟ أهو عطبٌ في جملتي العصبيّة، أم أنّ الأدوية والمسكّنات هي السبب؟

إحدى الممرضات كانت، دون غيرها، تكلّمني بمجرّد دخولها الغرفة: "مرحبًا...الآن أفضل، ها؟" وكان حضورُها يضفي على المكان البهجة. في إحدى المرّات شغّلتْ مقطعَ فيديو على جوّالها وعرضتْه عليّ. كان مشهدًا كوميديًّا. "أليس مضحكًا؟" سألتني، ثمّ أضافت: "كلَّ مرّة أراهُ أضحك." كان مُضحكًا بالفعل. ولكنْ، كيف لي أنْ أضحك؟

باقي الممرضات كنّ يأتين ويذهبن من غير أن ينبسنَ بحرف. كانت نظراتُهنّ محايدةً، خاليةً من الاهتمام. وكان هذا يسبّب لي الإزعاج. لكنّ سلوك آخرين كان ذا معنى. ففي إحدى الليالي، استيقظتُ على صوتِ حركة في الغرفة، يأتي عن يميني، وإلى الخلف قليلًا، حيث لا أستطيع الرؤيةَ أو الالتفات. كنتُ وحيدًا ولا قدرةَ لي على الكلام. عرفتُ من الصوت أنّ هناك مَن يمارس الجنس قربي على الكنبة. كانتِ الأصواتُ فاضحةً. لم أهتمّ لأمر الجنس. ما همّني هو المعنى من وراء هذا السلوك في غرفتي، وعلى مسمعي: أنا شخصٌ ميؤوسٌ منه! هكذا فهمتُ الأمر. هكذا كان رأي العاشقَيْن، حين رأيتُهما بعد دقائق ينسلّان من باب الغرفة من دون الاهتمام بنظراتي. سلوكٌ كهذا يُشعر مَن هو مثلي باليأس.

يقابل هذا السلوكَ سلوكٌ آخر يمنح بعضَ التفاؤل. فالمرأة الجميلة (التي افترضتُ أنّها زوجتي) جلبَتْ معها البارحة كميّةً كبيرةً من الملاءات والثياب وعلب المحارم وعبوّات الماء وحقيبة سفر جلديّة. فسّرتُ هذا على أنّه دليلٌ على وجودي هنا منذ فترة قصيرة؛ ربّما أيّام. إذًا، الأمل موجود. والأطبّاء لن يعطوا كلامًا نهائيًّا خلال هذا الوقت القصير. دعمتْ نظريّتي ملامحُ زوّاري؛ فالجميع واجمٌ حزين. والبعض تطفر الدمعةُ من عينيه. المصيبة جديدة إذن، وهم لم يستوعبوا الأمرَ بعد. هل أنا مُحقّقٌ في الأمن أو الشرطة؟ ربّما أكون كذلك. ربّما تعرّضتُ لمحاولة اغتيال ونجوتُ منها. يا للسخرية! هل نجوتُ حقًّا؟

***

ذاكرتي القصيرة لا بأس بها؛ فأنا أتذكّر معظمَ ما حصل معي البارحة أو اليوم الذي قبله. ولكن، ليس أبعد من ذلك. أتذكّر أسماءَ بعض الأطبّاء والطبيبات والممرّضات ممن يتردّدون إلى الغرفة، ثمّ أنساها في اليوم التالي، فأقرأها على بطاقاتهم المعلّقة فوق صدورهم، ومن الجيّد أنّني أستطيع القراءة. ذهني مشوّش، وتتلاعب بي الأفكارُ الغريبة. أتساءل بشكل جدّيّ أحيانًا: أذكر أنا أمْ أنثى؟ أشابٌّ يافع أمْ رجل ناضج؟ أطفل أمْ طفلة؟ وتلك السيّدة الجميلة التي تبكي قرب سريري، أهي أمّي أمْ زوجتي، أو ربّما كانت أختي وأنا فتاة مثلها؟ لا أعرف ماذا يُسمّى هذا طبيًّا: فقدان ذاكرة؟ جنون؟ اضطراب؟ هلوسة؟ صرتُ أخلط بين الأحداث والمواقف والأشخاص، ولم أعد أميّز: هل ما يتراءى لي، في بعض الأحيان، هو من ذاكرتي القديمة أم هو مجرّد أوهام؟ لم أرَ نفسي في المرآة مرّةً واحدة لأتأكّد من هويّتي، لكنّي أفكّر بمنطق الذكر، وإلّا فلماذا يُبهجني حضورُ الأنثى؟

أسمع صوت انفجارات وأسمعهم يتكلّمون عن الحرب. أتساءل: ما هذه الحرب؟ مَن يُحاربُ مَن؟ هل أنا جنديٌّ أصيبَ في المعركة، أمْ أنّني مجرّدُ شخص وُجِد في الزمان والمكان الخطأ؟ ومع أيّ طرف أنا؟ أمع الأشرار أمِ الطيّبين؟ كنتُ بحاجة إلى معرفة نفسي، ولم يخطر في بالِ أحدٍ أن يُقدّم لي أيّة معلومة، مهما كانت بسيطة؛ فهم يأتون ويذهبون، ينظرون إليّ بحزن، وبعضهم يبكي. وفي كثير من الأحيان تختلط عليّ الأمور: هل هم حقيقيّون؟ هل هم جزء من حُلمٍ مضى؟ مَن هم؟ كانت أحلامي فقيرةً كأفكاري. حتّى في الحلم، لم أكن أغادر المشفى. ربما يجدر بي تسميتُه: كابوسًا يتكرّر.

***

يذهب يوم ويأتي آخر، وأنا كما أنا. أُبحرُ في هذا الصمت الرهيب وحيدًا، كأنّني خُلقتُ هنا. تسليتي؟ أفكاري وتهويماتي وأسئلتي التي لا تنفكّ تدور حول أمر وحيد: من أنا؟ كنتُ في حاجة إلى بنية فكريّة وجسديّة، إلى منصّة أقف عليها كي أقفز إلى الواقع وأبحثَ عن ذاتي هناك. لذا قرّرتُ أنّني جنديٌّ أصيبَ في المعركة. فالحربُ تدور، كما يبدو،على مقربة منّا. وسأجرّبُ هذه اللعبة:

ها أنا ذا على الخطّ الأوّل. رفاقي حولي في الخندق، وأصواتُ الانفجارات تصمّ آذانَنا. يأتي الأمر: "هجوووم!" فأخرج بقفزةٍ واحدةٍ، وأبدأ بإطلاق الرصاص. أقطعُ عشراتِ الأمتار ركضًا، ثمّ أرمي نفسي في حفرة. يلحق بي رفيقي صارخًا: "احمني!" فأبدأ بإطلاق الرصاص من جديد على المبنى المقابل، وأرى شخصًا يهوي من النافذة. يصرخ رفيقي: "بَطَلْ!" ثمّ يغادر الحفرة راكضًا باتّجاه المبنى، فألحقُ به ممطرًا النافذةَ ذاتَها بالرصاص، فيهوي شخصٌ آخر. أصل إلى مدخل البناء. أجلس قربه. فيربّتُ على كتفي قائلًا: "علينا الصعود إلى أعلى وتمشيط المبنى." فجأةً نسمع صوت رنين ــــ كأنّ أحدهم طرق قضيبًا معدنيًّا بآخر ــــ وتسقط بيننا كتلة حديديّة بحجم قبضة. فأصرخ: "قنبلة!" ولا أعرف ما حصل بعدها. لا أحبّ الحرب. لا أعرف من الذين قتلتُهم أو لماذا قتلتهم. اكتفيتُ من هذه اللعبة. سأخرج من المعركة.

يستمرّ صوتُ الانفجارات في الخارج، ويستمرّ هديرُ الطائرات، بينما أجهزة المراقبة لا تكفّ عن "الزقزقة." رتابة صوتِها المزعج دليلي على أنّني بخير. تبدو هذه الكلمة مثيرةً للسخرية أيضًا. ربّما لو توقّفتْ هذه الأجهزةُ فسأكون بخيرٍ أكثر. أغفو وأصحو على صوتٍ ما. وأعود لأغفو. أمواجٌ من الأفكار المشوّشة تحملني وترفعني، ثمّ ترمي بي إلى كهوف الذاكرة المظلمة، فأنتفض مختنقًا. تتكفّل أجهزةُ الامتصاص بإخراج المفرزات العالقة في صدري. وتعلو أصواتُ منبِّهات الأجهزة الطبّيّة، فأجد الممرّضات خلال لحظات حولي. "ضغطه مرتفع،" تقول إحداهنّ، وتحقن في جسدي مادّةً لا أشعر بها.

***

إنْ كنتُ متزوّجًا من تلك المرأة الجميلة، فأين أولادُنا؟ لم أرَ سوى العجائز في غرفتي. أستعرضُ وجوهَهم في ذاكرتي المجروحة، فلا أجد شبابًا ولا صبايا. تومضُ في ظلمة روحي كلمةُ "كافكا."* ما هذه الـكافكا؟ أتعلّقُ بها، يحدوني الأمل علّها تكون طرفَ الخيط الذي سيدلّني إلى حقيقة وجودي هنا. يرهقني التفكير، ترهقني هذه الكلمة. ماذا تعني؟ أهو شخصٌ أعرفه؟ أهو اسمُ مدينة، أو نوعٌ من السيّارات، أو ماركة أقلام فاخرة؟ ولا أكاد أنساها حتّى أعود من جديد إلى مطاردتها. بعد حين، أكتشفُ أنّها لم تكن طرفَ خيط بل مصيدة. فأهرب إلى لعبتي التي ابتكرتُها:

... ها أنا أجلس في مطعم لطيف مع تلك المرأة (زوجتي؟). أمدّ يدي عبر الطاولة وأمسكُ يدها. تشدّ على أصابعي بلطف. أقول: "أحبّكِ." تهمسُ: "أحبكَ أكثر." ترنو إليّ بعينيها الجميلتين، وبشامتها التي على خدّها، وتسألني: "أتذْكرُ أوّل لقاءٍ لنا؟" أقول: "أذكر أنّنا ضحكنا كثيرًا يومها." فتبتسمُ وتضغط على أصابعي أكثر. أرفع يدها نحو شفتيّ وأقبّلها. همهمات الزبائن وضحكاتهم، أصوات الملاعق والصحون، صوت السيارات في الخارج؛ كلّ ذلك يغطّي على موسيقى تأتي من البعيد. جدرانُ المطعم تحتفي بلوحاتٍ فنيّة استشراقيّة ضخمة، تفصل بين الواحدة والأخرى ستارةٌ خمريّة معقودة من وسطها. يقترب النادلُ فجأةً ليسألنا عمّا نريد. تقول (زوجتي): "شرحات لحم عجل مطفّأة بالحامض والثوم، وصحن سلطة." أُمسك قائمةَ الطعام، أنظر إليها مليًّا، وأقول: "سأكتفي بالكافكا."

"خيارٌ جيّد،" يقول الرجل بأدب قبل أن ينسحب. بعد قليل يأتي الطعام: لها ما أرادتْ، ولي الكافكا. ولكنْ، أين أولادُنا؟!

***

عرفتُ أنّني بحاجة إلى عدّة عمليّات جراحيّة غير مضمونة النتائج، لكنْ لا بدّ منها. كان الطبيب الشّاب يقف إلى يساري، ومعه مجموعةٌ من زملائه. وكانت (زوجتي) تقف أسفل السرير، عند قدميّ، تستمع إلى ما يقول، وتسأل بعض الأسئلة، فيردّ الطبيب بالجملة الكلاسيكيّة: "سنفعل ما يتوجّب علينا، والباقي على الله." ثمّ يسألها إنْ كانت جاهزةً لتوقيع بعض الأوراق، فتوافق بهزّة من رأسها. كان الحزن يقطر منها. كانت صامتة أغلب الوقت، وإن تكلّمتْ نزفت الحروف من شفتيها. انتهت الزيارة الطبيّة، ولم يكلّف الدكتور،أو من معه، جهدَ النظر إليّ؛ فلقد أصبحتُ موضوعًا طبيًّا لا إنسانًا من لحم ودم:

... ها أنا وحيدٌ في هذا اليمّ. تحيط بي الظلمة. تتلاعب بي الأمواج. أنتظرُ شروقَ الشمس وأخافُ من حقيقة ضيائها. غريقٌ لا يغرق. وجبةٌ شهيّةٌ لأسماك البحر. استراحةٌ لنورسٍ ضالّ، أو مستقَرٌّ لصاعقة. هكذا أنظر إلى نفسي. لا سفنَ نجاة. لا جزيرة. لا دلافين. لا زجاجة. لا قلم أو ورقة. أشعر بالغربة، كأنّ سريري هذا بلادٌ أخرى. أأنا شاعر فقد عقله؟ ولكنْ، أليس للشعراء أولاد؟ أين أولادُنا؟

أستيقظُ على صوت الممرّضة اللطيفة تسألني إنْ كنتُ اليومَ أفضل. ثمّ تخبرني: "إنّه موعدُ العمليّة." خلال دقائق، أجد نفسي في غرفة العمليّات مع طاقم طبّيّ كبير: خليط من البشر بالأبيض والأخضر. لم يقلْ لي أحدٌ ما هذه العمليّة. جسدي ليس ملْكي. أشعر كأنّني شاةٌ في مسلخ. لا أحد يسأل الشّاةَ رأيَها. ليكن! فأنا لا أشعر بجسدي في كلّ الأحوال. هل أنا بحاجة إلى التّخدير؟ باغتني هذا السؤال، وغفوتُ قبل أن أهتدي إلى إجابة.

***

أعود من جديد إلى الحياة، وإلى احتمالات النجاة. أشعر بالتعب والبرد. يزعجني الضوءُ والأصواتُ العالية. أرى الناس ولا أميّزهم: بقعٌ من الضوء والظلمة تتهادى قبالتي. أشعر أنّ كتلةَ رأسي أكبرُ ممّا كانت. يبدو أنّ العملية كانت في الجمجمة. ماذا فعلوا هناك؟ ماذا أخذوا؟ ماذا تركوا؟ هل سأتحسّن؟

مضت عدّة ساعات قبل أن أتخلّص من آثار التخدير. تناوب على فحصي العديدُ من الأطبّاء والممرّضات. الجميع نظر إلى عينيّ وسلّط الضوءَ عليهما. الجميع جسّ نبضي، وكتب على أوراقه معلومةً ما. لا أحد لامس روحي الجريحة. (زوجتي) تبتسمُ لي قائلةً: "الحمد لله ع السلامة." أودّ لو أستطيع الردّ. أودّ لو أستطيع ضمّها وتقبيلها.

في صبيحة اليوم التالي، حصل شيء غير متوقّع ودخلتُ في غيبوبة. أجروْا لي عمليّةً أخرى. ثمّ أخرى. وأخرى. وعرفتُ لاحقًا أنّ قدمي اليسرى نجت من البتر، وأنّ كلْيتي استؤصلتْ، وأنّ جراحي كبيرة، وأنّ جسدي محطّم بكلّ معنى الكلمة، وأنّني أعيش حتّى الآن بمعجزة. كذلك عرفتُ أنّ ذاكرتي ستعود بالتدريج.

لا بدّ من أنّ أشهرًا قد مضت على وجودي في هذا المشفى. لاحظتُ أنّ ثياب زوّاري تغيّرت: صاروا يلبسون الستراتِ الصوفيّة والملابسَ الشتويّة. ولم أعد أسمع صوت الانفجارات ولا القذائف ولا صوت الطائرات. كم مضى من عمري هنا؟ ابتسمتُ في سرّي قائلًا: كم لبثنا؟

***

بعد مرور شهر على عمليّتي الأخيرة، شعرتُ بجسدي تدريجيًّا. في البداية، أحسستُ بألمٍ في قدمي، واستطعتُ تحريكها قليلًا، فاحتفلَ الجميع بهذا التطوّر؛ وكانت بدايةُ الشفاء. أليس من الغريب أن يكون الألم بشارةَ خير؟

هكذا، يومًا بعد يوم، رحتُ أقطع المسافة الفاصلة بيني وبين حياتي السابقة بخطواتٍ بطيئة، ولكنْ بإصرار. وعندما استطعتُ الكلام، وعادت إليّ ذاكرتي، كانت أولى كلماتي لزوجتي أن سألتُها: "هل انتهتِ الحرب؟ وأين أولادنا؟"

بهتتْ للحظة. ارتمتْ على صدري وضمّتني بقوّة، وأخذتْ تبكي، فأبكتني معها.

اللاذقيّة

*فرانز كافكا: كاتب ألمانيّ. صاحب رواية المسخ، وتُعتبر من أشهر الأعمال الروائيّة في القرن العشرينوأهمّها.نُشرت لأوّل مرّة عام 1915.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب