Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

الحَراك في لبنان: الأزمات الداخليّة... والحاجة إلى الراديكاليّة (ملفّ)

مقالات

 

 

انتهى الحَراكُ المدنيّ اللبنانيّ الحاليّ. ومِن اعترافنا هذا، نبدأ حديثنا بتقويمِ ما كان. انتهى الحراكُ حينما توقّف الناسُ عن الانضمام إلينا في الشارع، فوجدنا أنفسَنا نعْرف كلَّ مَن يقف معنا بالأسماء والوجوه، ونتلفّت كلّما سمعْنا أبواقَ سيّارات المارّة وهم "يشجّعوننا" على ما نفعله. وأذْكر أنّني قلتُ لصديقي، في أحد التحرّكات الأخيرة، حين رأينا أنفسَنا وحدنا، ورأينا الناسَ "يدعموننا" من بعيد: "هذا آخرُ تحرّكٍ لهذا الحراك أنضمُّ إليه. لستُ مقتنعة بالقيام بثورةٍ بالنيابة عن أحد!"

 

 

ثم مرّت أيّامٌ أصعب، أحسستُ فيها بالإحباط، وبدأتُ مع رفاقٍ آخرين بلوم الناس واتّهامِهم بـ"التنبلة" و"قلّة المروّة."

ثم رحتُ أبحثُ عن أسبابٍ منطقيّةٍ لابتعاد الناس عن الحَراك رغم اقتناعهم بأحقيّة مطالبه. ووجدتُ أنّ أحد الأسباب قد يكون عجزَهم عن مواصلة حَراكٍ سياسيٍّ يتطلّب المتابعةَ اليوميّة. فالحقّ أنّ هذا الالتزام صعبٌ ومضنٍ للأفراد وللعائلات، وللعاملات والعاملين، ولأصحاب الأجور المحدودة؛ وعلينا كناشطاتٍ وناشطين أن نعيَ ذلك، وأن نعيَ الامتيازاتِ التي تسمح لنا بأن نكون أكثرَ التزامًا بالعمل السياسيّ من غيرنا. إنّ شعار "لكلٍّ حسب طاقته (أو طاقتها)" ينبغي أن يكون عنوانًا أساسيًّا للتحرّكات السياسيّة، كي لا يُستنزفَ الناس، أو يُحمّلوا أكثر ممّا يستطيعون تحمّلَه؛ ناهيكم بأنّ تبنّي هذا العنوان يعزّز ارتباطَنا بهموم الناس، التي حصرها النظامُ الرأسماليّ البطريركيّ في إطار الالتزام بالعمل والعائلة.

***

بإمكاننا الآن، بعد هذه اللفتة السريعة إلى ما قد يكون عائقًا خارجيًّا دون استمرار الحراك، أن ندخل في تعداد بعض الأسباب الداخلية لتفكّكه وضعفه.

فقد اشتكى البعض، مثلًا، من "كثرة المجموعات" ("طلعتْ ريحتكم،" "بدنا نحاسب،" "جايي التغيير،" "الشعب يريد،" "حلّوا عنّا،"...)، ومن عدم انضوائها تحت شعارٍ واحد وخطواتٍ موحّدة وزعيمٍ واحد. وفي رأيي أنّ فكرة المجموعات، في حدّ ذاتها، كانت أحدَ الإنجازات التنظيميّة الناجحة لهذا الحراك، لأنّها سمحتْ لنا ــــ كمنظِّماتٍ ومنظِّمين ومشاركاتٍ ومشاركين ــــ بأن نشارك، لا بل أن نؤثِّر، في حراكٍ يضمّ مجموعاتٍ لا نلتقي وإيّاها إلّا على أزمةِ النفايات، ولكنّه يضمّ مجموعاتٍ أخرى نلتقي وإيّاها على مطالبَ كثيرةٍ أخرى وإنِ اختلفنا على طريقة الوصول إلى هدفنا. وأعتقدُ أنّ العديد ممّن شاركوا في "حملة إسقاط النظام الطائفيّ" في العام 2011 سيشاركونني الرأيَ في أنّ صيغة "المجموعات،" كتشكيلٍ تنظيميّ، حالت دون الوقوع في الأزمات الداخليّة التي عصفتْ بحملة 2011: فهذه الصيغة أدّت إلى تأجيل الصراعات السياسيّة بين مكوّنات الحَراك، وإلى التركيز على النشاطات، وسمحتْ للأفراد بالظهور من دون "الانصهار" تحت عباءة الكتلة الأقوى والأشهر.

لكنّ غيابَ الوعي السياسيّ لدى كثيرٍ من أفراد هذه المجموعات أدّى، مع امتداد الأزمة زمنيًّا، إلى تحويل الحَراك إلى حلبةٍ للمنافسة. فراحت كلُّ مجموعةٍ تركّز على الإعداد لنشاطاتٍ تكون بمثابة "نكايةٍ" بالمجموعات الأخرى، طمعًا في جذب الأنظار واهتمامِ وسائلِ الإعلام. وانعكستْ هذه المنافسةُ على التنسيق، فأصبحتْ لكلّ مجموعةٍ" خطبةٌ"  تقدّمُها خلال الاجتماعات "التنسيقيّة،" ومن ثمّ تقوم بخطواتٍ "مفاجئةٍ" مختلفةٍ لم يسبق أن طرحتْها على باقي المجموعات. وهذا ما أدّى، بالتدريج، إلى غياب الثقة بين كثير من مكوّنات الحَراك.

المفارقة أنّ "الاجتماعات التنسيقيّة" كانت من أكثر الاجتماعات التي تتجلّى فيها الانقساماتُ والاختلافاتُ الإيديولوجيّة، فضلًا عن شخصنة الأمور وتأطيرِها ضمن صراعاتٍ حزبيّةٍ وعصبويّة. هكذا أُقصي مثلًا، وفي غيرِ مناسبة، أشخاصٌ ومجموعاتٌ لمجرّد انتمائها إلى أحد الأحزاب، أو بسبب جندرها، أو فئتها العمريّة. والحال أنّ انتماءَ فردٍ ما إلى فئةِ "الكهولة" (مثلًا) ينبغي ألّا يُفقدَ رأيَه أيّةَ شرعيّةٍ، ولكنْ ينبغي ــــــ في الوقت نفسه ــــــ ألّا يضفيَ على مشاركته "امتيازًا رعائيًّا" أو فوقيًّا؛ كما أنّ معاداةَ البعض لحزبٍ أو مجموعةٍ (شاركا في الحراك وفي تنظيمه) ينبغي ألّا تحْكمَ على آراءِ أفرادهما بالسلبيّة الدائمة.

ثمّ إنّ هذه "الاجتماعات التنسيقيّة" أظهرتْ بعضَ الأشخاص على حقيقتهم، لا على الصورة التي صنعها لهم الإعلامُ وضخّمَها. هكذا وجدنا أنفسَنا أمام بعضِ "الجهلة،" بكلِّ ما في الكلمة من معنًى: جهلةٍ بالعمل السياسيّ والتنظيميّ، وجهلةٍ بمغزى "التحرّك الشعبيّ" الذي يحمل مطالبَ الناس ويعمل على تحقيقها. كما اكتشفنا عند الكثيرين ممّن كانوا يظهرون على الشاشات عنصريّةً، وتمييزًا جندريًّا، وطبقيّةً مخيفةً. بل إنّ كلمة "مندسّ" أطلقها بعضُ هؤلاء"الناشطين" من داخل هذه الاجتماعات، وعندما لاحظوا أثرَ معارضتنا ــــ كيساريّات ويساريين ـــــ لهذا الخطاب في صفوف الناس وعلى مواقع التواصل الاجتماعيّ، "صححّوا" موقفَهم، ولكنّ ترسّباتٍ من موقفهم الأصليّ بقيتْ واضحةً ضمن الاجتماعات أو عبر نشاطاتٍ أرادوها لمنع "المندسّين" من الاختلاط ببقيّة "الناس."

***

مسألة "المندسّين" تحتاج إلى وقفةٍ ولو قصيرة لأنها تضيء على أمور جوهرية في فهم الحَراكيين للحراك وللشعب الذي يطمحون إلى تعبئته.

من الواضح عندي أنّ "المندسّين" لم يكونوا كلُّهم "عملاءَ" للفئة الحاكمة كي "نقْصيَهم" جميعَهم، بل كان (وما يزال) التمييزُ ضروريًّا: بين مَن كانوا كذلك فعلًا، ومَن كانوا يعبّرون ــــ على طريقتهم غيرِ "المهندمة" ــــ عن هموم الناس الحقيقيّة. وكان (ومايزال) على مجموعات الحَراك أن تشجّع الفئة الثانية على المزيد من المشاركة فيه، تمهيدًا لتصدّرها قيادته؛ لكنّني أعتقد أنّه كان من المستحيل على محتلّي الشاشات ومالكي مكبّرات الصوت أن يسمحوا بذلك.

ولكنْ حتى الذين كانوا مندسّين "فعلًا" ونزلوا ليفتعلوا المشاكل، أو ليتجسّسوا، أو ليضربوا المتظاهرات والمتظاهرين، لم يكونوا أعداءنا يومًا. كثيرات وكثيرون في هذا الحراك اصطنعوا أعداءً ممّن لا يُشْبهونهم طبقيًّا وثقافيًّا، في حين أنّ هؤلاء "المندسّين" هم ــــــ بطبيعتهم نفسها، أيْ بطبيعةِ كونهم "تابعين" و"عملاء" و"مرتهنين" للزعماء ولأحزاب السلطة ــــــ أساسُ مَن يتوجّه إليهم هذا الحراك! وكان مأمولًا أن تنمو هذه المقاربةُ داخل الحراك لنتمكّن من التوجّه إلى حيّ اللجى والخندق الغميق والبسطة التحتا والزيدانية وغيرها من المناطق الشعبية، فنفتحَ حواراتٍ مباشرةً مع الناس. وكان أساسيًّا هنا ألّا نواجِهَ هؤلاء بمطلب "التخلّي" عن أحزابهم وانتماءاتهم وزعمائهم. لكنّ بعضنا اعتبر أنّ "الثوريّة" تتطلّب ممّن يريد أن ينضمّ إلى الحراك أن يمارس ذلك التخلّي التامّ، في حين أنّه ليس مطلوبًا في هذه المرحلة ــــــ بل من المستحيل ــــــ أن يقطع الناسُ كلَّ علاقاتهم بأشكال النظام الحاليّ. وإنْ طلبنا إليهم ذلك حقًّا، ونحن متربّعاتٌ ومتربّعون فوق أبراج امتيازاتنا وطبقتنا، فهل نعي حقًّا ما نطلب، وهم الذين ينقصهم كلُّ شيء؟

"المندسّون" لا يتْبعون الزعماءَ والأحزاب إلّا لحاجتهم إلى مَن يؤمّن لهم ولو قدرًا بسيطًا من الطبابة والعلم ومستلزمات الحياة. وماذا ترانا نقدّم إليهم في المقابل؟ قبل أن يكون ممكنًا للدولة أن تقدّم الخدماتِ إلى مختلف أفراد هذا الشعب، فسيكون من المستحيل أن نطالبَهم بسبّ الزعيم وقطع حبل السرّة الذي يربطهم به.

***

ثمة أيضًا بعضُ الأمور التي كانت في صلب ممارسات مجموعات الحَراك، وأثّرت في إيصاله إلى نهايته. أوّلُها هو الاستجابة لمحاولة السلطة تضييعَ التركيز في التحرّكات والمطالب. فبالرغم من تأسيس مجموعةٍ من المحامين لمتابعة ملفّات المعتقلات والمعتقلين، فقد توجّه الحَراكُ في الأسابيع الأخيرة التي سبقت انتهاءَه إلى الركض (حرْفيًّا) من ثكنةٍ إلى ثكنة، ومن محكمةٍ إلى محكمة، ومن مخفرٍ إلى مخفر، داعيًا إلى تحريرهم وتحريرهنّ. وكاد الحَراك أن يتحوّل من المطالبة بمطالبَ عامّةٍ إلى المطالبة بإطلاق سراح الحَراكيين!

يضاف إلى ذلك توجّهُ العديد من المنظّمين إلى التراكض أمام كاميرات الإعلام للظهور "أبطالًا" أو "زعماءَ جددًا" يحلّون محلّ زعماء اليوم. ولم يكن هذا بعيدًا عن دورٍ متعمّدٍ ومقصودٍ مارسه الإعلامُ التابعُ (اقتصاديًّا ومن ثمّ سياسيًّا) للسلطة، إذ كان يحاول توجيهَ الحراك عبر خلق أولئك "الأبطال،" بدلًا من أن يبرزه متعدّدًا ومتنوّعًا. وهنا جوهرُ المسألة: الحاجة إلى العمل الجماعيّ والابتعاد عن "الشخصيّات." ذلك أنّ البديل من الحكم الحاليّ يأتي أولًا بتغيير شكل العمل السياسيّ: من صيغة "زعيم ــــــ تابع" إلى مجموعاتٍ لاهرميّةٍ تعمل بالتنسيق، وضمن مناطقَ مختلفة، وفي الأحياء والمخيّمات والعشوائيّات. إنّ كسر سلطة الزعيم لا تأتي باستبداله بزعيمٍ جديدٍ "أفضل" أو"أكثر حداثةً،" بل عبر طرح شكلٍ تنظيميٍّ يحطّم التبعيّة والاستزلام.

وهذا ينطبق على ضرورة تحطيم المجموعات "للحدود" التي رسمها لها الزعماءُ والسلطةُ ككلّ. فقد بقي "احترامُ" الجيش والشرطة همًّا رئيسًا لدى مجموعات الحراك، واعتبرتْ ذلك من أسس"السِّلْم الأهليّ" والمحافظة على "هيبةِ الدولة." كما تمسّكت المجموعاتُ بـ "سلميّة" الحراك و"تحضّره،" متبنّيةً ــــ بوعي أو من دون وعي ــــ خطابًا نيوليبراليًّا يقول ضمنيًّا بحاجة المتظاهرين (ذكورًا وإناثًا) إلى الدفاع عن مواقفهم وتبرئة أنفسهم، ويَعتبر "زعزعةَ الأمن" اتّهامًا خطيرًا عليهم أن يبتعدوا عنه.

***

ومع ذلك فإنّ الحَراك أفلح في إنجاز هدفٍ حقيقيّ ومؤثّر، بل يقترب من "الثورية"  في رأيي، وهو أنّه جعل من الهامش قلبًا، وجعل من المنسيّ والمقموعِ والعاطلِ عن العمل (أذكرًا كان أمْ أنثى) قلبَ الحدث وبوصلةَ مسيرته.

لقد بدأ الحَراكُ من أجل حلّ أزمة النفايات التي تناثرتْ في طرق بيروت، وحاولت السلطةُ ـــ عبر طمرها في القرى الفقيرة ـــ أن تخبّئ ما كان في صفقة النفايات التي سبقتْها. لكنّ الحَراك المطلبيّ لم يبدأ مع هذه الأزمة ولن ينتهي عندها: لم يبدأ عند النفايات لأنّ أزمة الكهرباء كانت قبلها، وأزمةَ الماء قبلها، وحقوقَ العاملات الأجنبيّات قبلها، وحقوقَ الأساتذة قبلها، وحقوقَنا المسلوبة كلّنا ـــ كمواطنات ومواطنين أو لاجئات ولاجئين ـــ قبلها.

ولأنّ الحراكَ لم يبدأ هنا، فإنه لن يتوقّفَ عند توقّف شكله الحاليّ، وإنما سيتبلور في أشكالٍ أخرى، وسيتخلّق في خطابٍ نأمل أن يكون أقربَ إلى الناس وثقتِهم.

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب