هي والأرض والصبّار
25-07-2018

 

 

  كانت العجوز تُراقب ما يَحدث حولها في صمت. تصعد إلى الهضبة مرتديةً مظلّةَ السعف، متلحفةً رداءً رقيقًا، راميةً بصرَها في الأرجاء، مقوِّمةً الأضرار.

تتذكّر المرّات التي نزل فيها الغيث: مرّتين أو ثلاثًا. التُربة تشقّقتْ، ومالت إلى الصفرة. القمح تقلّص، والسنابلُ قصرتْ وفرغتْ أكياسُها حتّى صارت تأبى التمايلَ مع الريح. الصبّار وحده ظلّ يجاهد للبقاء، وبقي أخضرَ منتصبَ الأشواك، يسيّج الكوخَ الصغيرَ ويحميه من أيّ خطر محدق.

استندتْ إلى جذع شجرةٍ يابس، وراحت ترمق الأرضَ المتيبّسة. منذ خرج المستعمر وهي في عطاء مستمرّ. فهل تشعر اليوم بالتعب؟

  هناك، بعيدًا، محطّةُ القطار. انهار السقفُ، واختفت السكّة. وهي، العجوز، نسيت الطريق. كانت تراها الوسيلةَ الأنجعَ للسفر، إذ تزور الأهل، وتعود إلى الصغار حاملةً ما لذّ وطاب، فيُسارعون إليها، تاركين ألعابَهم.

تتذكّر المرجَ اليانع، الذي كان الإخوة ينعمون فيه بعيشٍ هنيء، وقد تحوّل الآن إلى أرض جرداء خاليةٍ إلّا من بعض أشجار الزيتون.

تعود إليها خرافاتُ الكبار، وحكاياتُ الحرب، ومآسي الألمان.

الآن، لم يبق شيء من ذلك كلّه. فقد مات الإخوة، أو تاهوا في معترك الحياة. وانتشر الأبناء في الأرض ساعين وراء الخبز. أمّا المسنّون فيمكثون في مقبرةٍ صغيرة قريبة، خلف الهضبة. وأمّا هي فبقيتْ في كوخ الأهل، تحيا على رائحة الغائبين وما بقي من صور.

كلّ شيء في مسكنها قديم: الباب خشبيّ وقد زال عنه الطلاء، والجدران بنّيّة من حجرٍ وطين، والأرضيّة اسمنتيّة من دون بلاط. لم تُغيّرْ شيئًا في المكان منذ صارت وحدها. هي وحدها مَن تغيّر: قصرتْ قامتُها، وانحنى ظهرُها، وترهّل جسدُها، وبرزتْ عروقُها، وتلاشت حدودُ الحدقتين، وبهت الوشمُ على وجهها ويديها.

استرعى انتباهَها نُباحُ الكلب. يريد ماءً، فكّرتْ. نزلت المنحدرَ بخطًى ثابتةٍ بطيئة. ها هو المكان يزداد وجومًا. وها هي المنازل المتفرّقة، لم يبق منها غيرُ الحطام.

يأسر الليل المكان، ويُسلّط القمرُ ضوءه على الكوخ الصغير. تجلس العجوز على عتبة الباب، وفي يدها منجلٌ تكشط به التُربة ــ ــ هذه عادتها منذ توقّف الراديو التشيكيّ عن العمل. ترى الصبّار كأنّه هيئاتُ جثثٍ متفحّمة، تمرّ من وراءه قطعانُ الذئاب، فتنتصب أذنا الكلب.

تستمرّ العجوز في الحفر حتّى يأخذها النعاس، فتدخل تحت سقفها الوطئ وتخلد إلى الراحة.

***

يومًا ما، ستنعم بأرض ساحرةٍ وترابٍ رطب. أمّا الآن  فكلّ ما تفعله هو الاستعدادُ للرحيل. لا داعي للانتظار. جلّ الأشياء تحوّلتْ أثرًا بعد عين. حتىّ الخوذةُ النازيّة، التي كانت قد وضعتها وعاءً للكلب، فتّتها الصدأُ والتهمتها الأرض.

                                                                        بنزرت (تونس)

اسامة جلالي

طالب في الثانويّة العامّة في تونس، من مواليد 1999.