القلعة: المقوّمات العسكريّة والاقتصاديّة في "إسرائيل": مظاهر القوّة والضعف (1)
15-10-2018

 

تنشر الآداب على عدّة حلقات دراسةً طويلةً بعنوان "القلعة: المقوِّمات العسكريّة والاقتصاديّة في إسرائيل ــ  مظاهر القوة والضعف" للأسير القائد كميل أبو حنيش، عضو اللجنة المركزيّة العامّة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، ومسؤول قيادة فرع المنظّمة في سجون الاحتلال. وقد وصلتنا الدراسة على الرغم من العقبات الكأداء. فشكرًا للقائد البطل لأنه خصّ الآداب بدراسته، وشكرًا لكلّ من أسهم في إيصالها إلينا.
وُلد أبو حنيش سنة 1975 في قرية بيت دجن. حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد. ومن داخل الجامعة أصبح مسؤولًا لـ"جبهة العمل الطلّابي" ولـ"المكتب الطلّابي" في الضفّة المحتلة. تعرّض للاعتقال والسجن عدّة مرات من طرف العدوّ. كما سُجن لدى أجهزة السلطة الفلسطينيّة. وما إنْ بدأت الانتفاضةُ الثانية حتى حمل سلاحَه وتقدّم الصفوفَ الأولى.
أسّس مع رفاقه في الأرض المحتلّة "كتائب الشهيد أبي علي مصطفى،" الذراعَ المسلّحة للجبهة الشعبيّة.
تعرّض لغيرِ محاولة اغتيال، ومن بينها استهدافُه بسيارةٍ مفخّخة بتاريخ 25/5/2001 أصيب خلالها إصابةً بالغة.
هدمتْ قواتُ الاحتلال منزلَ عائلته أثناء ملاحقته، بعد اعتقاله بتاريخ 15/4/2005.

طالبتْه "المحكمة" بدفع مبلغ وقدرُه 63 مليون شيقل (ما يقارب 15 مليون دولار) ردًّا على عمليّة مستوطنة "ايتمار" التي اتهمتْه بالتخطيط لها (نُفّذتْ في حزيران 2002 وأسفرتْ عن مصرع خمسة مستوطنين). وقد وَجّهت "المحكمةُ" الصهيونيّة إليه تهمًا أخرى، بينها تجنيدُ منفِّذ العملية الاستشهاديّة في سوق نتانيا في أيّار 2002 (أسفرتْ عن مصرع ثلاثة مستوطنين).
صدرتْ له دراسات سياسيّة واقتصادية وأدبية. كما صدرتْ له رواية بعنوان: وجع بلا قرار.

 

الحلقة الأولى

تُعالج هذه الدراسة واقعَ "إسرائيل" بوصفها جيْبًا استيطانيًّا غريبًا عن المنطقة، ومن مخلَّفات المنظومة الاستعماريّة العالميّة البائدة. وقد اخترتُ اسمَ "القلعة" لأنّ مواصفاتِ القلعة تكاد تنطبق على "إسرائيل" من حيث القوّة والوظيفة والعزلة، ولأنّ هذه التسمية جاءت على لسان أبرز قادة الحركة الصهيونيّة ومؤسّسي دولة الكيان.

ركزّتْ هذه الدراسة على البعديْن العسكريّ والاقتصاديّ مقوِّميْن رئيسيْن في استمرار هذه القلعة. واستعرضتْ سلسلةَ مواقف صهيونيّة من أجل رسم مستقبل هذه القلعة والدورِ المنوطِ بها، والعلاقةِ العضويّةِ التي ربطتْها (وما تزال تربطها) بالدول الكبرى. كما حاولتْ رسمَ تصوّرات هذه القلعة لـ"السلام" و"التعايش" و"الأمن." واختُتمت باستعراض المأزق الإستراتيجيّ وسلسلة التحدّيات التي تواجه هذه القلعة وتضع علامةَ استفهام كبيرةً حول مستقبلها، وذلك في ظلّ استمرار المقاومة الفلسطينيّة والعربيّة، فضلًا عن تنامي حدّة التناقضات داخل مجتمعها.

على أنّ الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تحتاج إلى أبحاثٍ مُعمَّقة. حسبُ هذه الدراسة أن تقدّم إضاءاتٍ خاطفة على أبرز مظاهر قوّة هذه القلعة وضعفها.

بَنت إسرائيل ستة جدران عازلة  تفصلها عن المناطق والدول المحيطة بها

 

قلعة "إسرائيل" ــــ في اللغة والسياق التاريخيّ

كان ثيودور هرتزل، مؤسِّسُ الحركة الصهيونيّة، أوّلَ مَن استخدم مفهومَ "القلعة" للدلالة على ماهيّة الدولة اليهوديّة المتخيّلة، وذلك حين كتب في الدولة اليهوديّة أنّ "الدولة اليهوديّة ستكون قلعةً أماميّةً للحضارة الغربيّة في وجه بربريّة الشرق." وفي رأينا أنّ مفهومَ "القلعة" لم يأتِ زلّةَ قلم لدى هرتزل، وإنّما هو بمثابة تصوّر سياسيّ واستراتيجيّ للدولة اليهوديّة المتخيّلة ــــ هويّةً ووظيفةً ومعنًى تاريخيًّا.

في اللغة، "القلعة" تعني الحصنَ الممتنع، أو الصخرةَ العالية التي يَصعب تسلّقُها والوصولُ إليها. وهي تُبنى في أماكنَ مرتفعة، وتُشيَّد بحجارةٍ صلبة، وتُحاط بأسوارٍ منيعة، وتكون مدجّجةً بالأسلحة. وهي دائمًا معزولةٌ عن المناطق السكّانيّة، وتُشرف عليها من بُعد، ويقطنها الأقوياءُ والأثرياءُ. وهي مكانٌ للعساكر والجند. إنّها رمزٌ للقوة، ولا يدخلها إلّا مَن له علاقةٌ مباشرةٌ بها، فتكون أبوابُها مغلقةً معظم الوقت. وهي جزءٌ من النظام السياسيّ: يحميها، وتحميه بالعساكر والموارد.

أمّا في التاريخ، فثمّة أشكالٌ مختلفةٌ من القلاع، ولاسيّما في العصور الوسطى. فقد دأب الإقطاعيون على بناء قلاعٍ حصينةٍ يتحصّنون فيها، ويُشْرفون منها على مُمتلكاتهم، ويُمارسون سطوتَهم وإذلالَهم للأقنان. وقبل ألف عامٍ شهدنا، بعد احتلال فلسطين وأجزاءٍ من بلاد الشام، القلاعَ الصليبيّةَ التي شكّلتْ في غالبيّتها أساسًا للحملات الصليبيّة واستمراريّتها أزيدَ من قرنين، قبل أن تنهار الواحدةُ تلو الأخرى.

إذًا، تطابقتْ رؤيةُ هرتزل لهذه الدولة ــــ القلعة مع المعنى اللغويّ، ومع السياق التاريخيّ والسياسيّ. لكنّ هذه القلعة الصهيونيّة، "البيضاءَ في عالمٍ أسود،" على ما يقول إيلان بابِه، تحتاج إلى مَن يدافع عنها.([1]) لذا كان هرتزل يُقدِّم، دومًا، مشروعَه بأفضل طريقةٍ تروق مَن يَستمع إليه: فتعهّدَ لقيصر ألمانيا بأنّ الدولة اليهوديّة ستكون نقطةَ مراقبةٍ لبرلين، ووعد رئيسَ وزراء بريطانيا بأن تكون مستعمرةً للإمبراطورية البريطانيّة، وهكذا.([2])

ولأنّ الحركة الصهيونيّة تبحث عن قوًى عظمى تبني مشروعَها، فقد عثرتْ على ضالّتها في بريطانيا العظمى. وقد وجد حاييم وايزمان، مهندسُ التحالف بين الحركة الصهيونيّة وهذه الدولة، أنّ الفرمان الذي أخفق هرتزل في الحصول عليه من العثمانيين قد حصل عليه وايزمان من البريطانيين سنة 1917، وذلك في تصريح بلفور.([3]) فقام وايزمان بتعبيد التحالف مع بريطانيا، وجعله حجرَ الزاوية في السياسة الصهيونيّة طوال النصف الأول من القرن العشرين.([4])

 

بيْد أنّ الآباءَ المؤسِّسين للصهيونيّة، ومَن جاء بعدهم، كانوا يدركون أنّ العرب والفلسطينيين لن يستسلموا، وأنّهم سيقاومون هذا المشروعَ الذي يَستهدف وجودَهم ويُهدِّد أمنَهم ومستقبلهم. وفي هذا الصدد يقول جابوتنسكي، الأبُ الروحيّ لليمين الصهيونيّ ولبنيامين نتنياهو: "إنّني آمل وأؤمن بأنّنا سوف نُقدِّم لهم ــــ أي للعرب حينذاك ــــ ضماناتٍ ترضيهم. وسوف يتعايش الشعبان في سلام كجيران طيّبين. ولكنَ الطريقَ الوحيد لهذا الاتفاق يَمُرّ عبر تأسيس الحائط الحديديّ، بمعنى أن يتمّ بناءُ قوةٍ في فلسطين لا تتأثّر بالعرب."([5]) إذًا، أولًا وقبل كلّ شيء، يجب أن تُبنى القلعةُ العسكريّة، أو "الجدارُ الحديديّ" (على حدّ وصف جابوتنسكي)؛ وهذه القلعة هي التي ستَفرض "السلام"... لكنْ من منطق القوّة والردع. فلقد آمن جابتونسكي وبن غوريون وغيرُهما بأنّ العرب سوف يواصلون القتالَ ما بقي لديهم أملٌ في منع اليهود من السيطرة على بلدهم. وقد توصّلا كلاهما إلى أنّ القوة العسكريّة اليهوديّة هي وحدها القادرة على جعل اليأس يدبّ في نفوس العرب ويرغمهم على القبول بدولة يهوديّة في فلسطين.([6])

ويشرح بن غوريون في خطابٍ له سنة 1948 (بعد إعلان دولة "إسرائيل") مفهومَه الأعمق لقوة هذه القلعة بالقول إنّ أمن إسرائيل لن يعتمد بشكلٍ كلّيّ "على القوات المسلّحة. فأساليبُنا في الاستيطان سوف تُقرِّر أمنَ الدولة على نحوٍ لا يقلّ عن إقامة جيش استيطانيّ زراعيّ كثيف على امتداد الحدود، وسلسلةٍ من المزارع، مع أبنيتها في الشمال، وعلى الساحل، وعلى امتداد الأردن، وفي النقَب. وهو الذي سيقوم بدور الردْع الحقيقيّ من أجل حماية البلاد من أيّ هجومٍ خارجيّ. ليست القلاعُ الحجريّة صامتةً، وإنّما [هي] العيش والعملُ والجدارُ البشريّ المنتِج. إنّه الجدار الوحيد الذي لم تردعْه أو تهدمْه قوّةُ نيران العدوّ..."([7]) بمعنًى آخر، هذه الدولة ستتحوّل، بكلّ مقوّماتها، إلى ثكنةٍ حربيّة. فهل تستطيع هذه الدولة ــــ القلعة أن تعيش بغير القوّة والحرب؟

ويلخّص رئيسُ الوزراء الإسرائيليّ الأسبق إسحق شامير سنة 1992 جوهرَ هذه الدولة بالقول: "الحرب لا مفرّ منها؛ أي إنّه من دون ذلك لن تكون هناك فرصةٌ للحياة، ولن تكون هناك أيّةُ فرصة لبقاء الأمّة."([8]) فهل هذا هو منطقُ "دولة ديمقراطيّة تسعى إلى السلام مع جيرانها"؟

وهذا بنيامين نتنياهو، رئيسُ الوزراء الحاليّ، يؤكّد الأمرَ نفسَه في كتابه، مكان بين الأمم (1993)، حين يقول: "إنّ المتطلِّبات القوميّة لإسرائيل تستوجب استمرارَ السيطرة على الجدار الواقي، المتمثّلِ في جبال الضفّة الغربيّة."([9]) ويتابع: "القوّة هي حجرُ الزاوية لكلّ جهدٍ يَستهدف كسبَ حلفاء جدُدٍ، والمحافظةَ على تحالفاتٍ قائمة."([10]) ونتنياهو لم يتغيّرْ بعد أكثر من ربع قرن على كلامه هذا، وهو حاليًّا يقود "القلعةَ" من حربٍ إلى أخرى، ويبشّر بحروبٍ في قادم الأيام. ولأنّ القلعة لا يُمكن أن تعيش بلا أسوارٍ وتحصينات، فهو يصرّح عام 2010 بالقول: "في نهاية المطاف، لن يكون هناك من مفرّ سوى إغلاق دولة إسرائيل من كلّ جوانبها."([11])

وبالفعل، منذ أعوامٍ قليلة، وفي عهد نتنياهو تحديدًا، شرعتْ "إسرائيل" في بناء سلسلةٍ من الجدران على حدودها، استكمالًا لجدار الفصل العنصريّ بين الضفّة وفلسطين المحتلّة عام 48. فأنشأتْ  جدرانًا على حدود مصر والأردنّ والجولان ولبنان وغزّة، وجدرانًا في البحر أيضًا. وهكذا باتت عبارةً عن قلعةٍ عسكريّة كاملة فرضتْ على نفسها أسسَ العزلة والفصل.([12])

 

القلعة: بين التوسّع والتراجع

غير أنّ بقاء القلعة يفرض التوسّع أحيانًا. وللتذكير، فإنّه عندما أصبح واضحًا في أواسط الستينيّات أنّ العالم العربيّ والحركةَ الوطنيّة الفلسطينيّة يَرفضان التسليمَ بالواقع الذي أوجدتْه "القلعة،" قرّرتْ هذه الأخيرةُ توسيعَ سيطرتها الإقليميّة. فاحتلّتْ بقيّةَ فلسطين في حزيران عام 1967، بالإضافة إلى أجزاء من سوريا ومصر والأردن، وأضافتْ في وقتٍ لاحقٍ الجنوبَ اللبنانيّ إلى إمبراطوريّتها المصغّرة، وغدّت سياستُها توسعيّةً من أجل حماية هذه القلعة.([13])

إلّا أنّ قوةَ المقاومة في فلسطين ولبنان فرضتْ على "القلعة" التراجعَ. ويدلُّ انسحابُ "إسرائيل" من الجنوب اللبنانيّ (أيّار 2000)، ومن قطاع غزّة (آب 2005)، على أنّ الحكومة الإسرائيليّة انتقلتْ إلى التركيز على الجوانب التي تعتقد أنّها أجدى في المحافظة على مناعة القلعة، من قبيل: تقوية جيشها، وترسيخ قوّتها النوويّة، والحصول على الدعم الأميركيّ غير المشروط.

ثمّة ما يشبه الإجماعَ الحاليّ الإسرائيليّ على دولةٍ تشتمل حدودُها على 90 % من فلسطين، شرط أن تحاطَ أراضيها بسياجاتٍ مكهربة وجدرانٍ ظاهرةٍ وغير ظاهرة،([14]) فضلًا عن إقامة قبّةٍ حديديّة في السماءٍ. وهذا التفكير العسكريّ ليس حديثًا. فإذا عدنا إلى التاريخ، وجدنا أنّ قيادات "اليشوف" اهتمّت بتجنيد الشباب اليهوديّ من خلال المنظّمات العسكريّة، وعلى رأسها الهاغانا، من أجل محاربة الإنجليز والعرب، كمرحلة من مراحل الاستعداد لإقامة الدولة اليهوديّة العتيدة. وبعد منح "إسرائيل" صفةَ الدولة، عقب التوقيع على اتفاقيّة الهدنة وتفكيك المنظّمات العسكريّة، تحوّل هذا التوجّهُ إلى جعل "إسرائيل" مجتمعًا مجنَّدًا.([15]

 

قوننة الهيمنة

لم تستطع القلعة، بعد سبعين عامًا من تأسيسها، التحوّلَ إلى قلعةٍ يهوديّةٍ صافية، على الرغم من طردها مئاتِ ألوف الفلسطينيين سنة 1948. فقد بات الشعبُ الفلسطينيّ، بفضل صموده على الأرض، يضاهي من ناحية العدد السكّانَ اليهودَ في هذه القلعة، وقد يتفوّق عليهم في المستقبل القريب. ولهذا اتّبعت القلعةُ مجموعةً من السياسات الهادفة إلى إبقاء هيمنة مستوطنيها، والاستئثارِ بامتيازات الأرض والثروات والاقتصاد والقوة العسكريّة. كما سنّت عددًا من القوانين الأساسيّة، ومن ضمنها قوانينُ العودة والمواطَنة، والقانونُ الأساس الذي يعُرّف "إسرائيل" بأنّها دولةُ الشعب اليهوديّ ويَحصر حقَّ الترشّح إلى الانتخابات النيابيّة بمن يوافق على أنّ "إسرائيل" دولة الشعب اليهوديّ.([16])

 

 القلعة والخارج

لكنّ هذه القلعة لا يُمكنها الاعتمادُ على إمكانيّاتها الذاتيّة فقط، عسكرًا واقتصادًا وقوانين، بل تحتاج إلى دولةٍ عظمى تواصل حمايتَها ورعايتَها بوصفها دولةً وظيفيّة. وقد ورثت الولايات المتحدة، بعد بريطانيا العظمى، هذا الدورَ. فـ"إسرائيل" دولة كولونياليّة من إرث القرن العشرين، وما تزال قائمةً لأنّها تخدم الولاياتِ المتحدة، ولأنها تلعب دورًا مهمًّا في الاقتصاد الرأسماليّ.([17]) والعلاقات الإسرائيليّة ــــ الأمريكيّة تعكس مدى الخدمات التي تقدّمها كلُّ واحدة إلى الأخرى. ولعلّ مبدأ الرئيس ريتشارد نيكسون (1969 ــــ 1974) الذي اعتبر أن "إسرائيل" حجرُ الزاوية في السياسة الأمريكيّة في المنطقة، والوكيلُ المخلص الذي يمكن الاعتماد عليه وحده في اللحظات الحرجة،([18]) يلخِّص لنا هذه العلاقة.

 


 جورج دبليو بوش  يصافح  نتانياهو

أمّا الرئيس جورج بوش الابن فقد عبّر عن عمق هذه العلاقة في خطابه أمام الكنيست بتاريخ 15 أيار 2008  حين قال إنّ ماتسادا لن تسقط ثانيةً لأنّ الولايات المتحدة ستقف دومًا إلى جانبها. والمقصود بـ"ماتسادا" هو القلعة اليهوديّة التي حاصرتْها القواتُ الرومانيّة سنة 73 ، ما اضطرّ سكانَها إلى الانتحار جميعًا بدلًا من الاستسلام، كما تروي الرواياتُ اليهودية.

لكنّ كلام بوش الابن لا يخلو من مفارقات، أُولاها أنّ سكّان قلعة الماتسادا كانوا من اليهود المنبوذين، واللصوص، والمجرمين، الذين لا يشكّلون مفخرةً لليهود في ذلك العهد. أمّا المفارقة الأخرى فهي أنّ ماتسادا لم تسقط في معركة، بل بانتحار سكّانها. والانتحار ليس بطولةً كي تتفاخر بها قلعةُ "إسرائيل" الحاليّة. ولا ندري إنْ كان بوش قد اختار هذا المثلَ عن غباءٍ وجهل، أمْ هو نبوءةُ رئيسٍ اعتاد الهذيانَ ــ ــ فكثيرًا ما تَصْدقُ نبوءاتُ البلهاء!

سجن ريمون، النقب، فلسطين
(يتبع)

 

[1] - إيلان بابه، التطهير العرقيّ في فلسطين، ترجمة: أحمد خليفة (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، ط1، 2007)، ص 282.

[2] - آفي شلايم، الجدار الحديديّ: إسرائيل والعالم العربيّ، ترجمة: ناصر عفيفي (القاهرة: مؤسّسة روزاليوسف، 2001)، ص7.

[3] - المصدر السابق، ص 13.

[4] - المصدر السابق، ص 13.

[5] - المصدر السابق، ص 15.

[6] - المصدر السابق، ص 26.

[7] - أورن يفتاحئيل، الاثنوقراطيّة: سياسات الأرض والهويّة في إسرائيل/فلسطين، ترجمة سلافة حجاوي (رام الله: مدار، ط2، 2012)، ص 261.

[8] - الجدار الحديديّ، مصدر سبق ذكره، ص 474.

[9] - بنيامين نتنياهو، مكان بين الأمم، ترجمة تحقيق: محمد عودة، كلثوم السعدي (عمّان: الأهليّة للنشر والتوزيع، ط1، 1996)، ص 368.

[10] - المصدر السابق، ص 416.

[11] - يديعوت أحرنوت، 11-1-2010.

[12] - جوني منصور وشادي نحّاس، المؤسّسة العسكريّة في إسرائيل (رام الله: مدار، ط 1، 2009)، ص 10.

[13] - التطهير العرقي، مصدر سبق ذكره، ص 283.

[14] - المصدر السابق، ص 283.

[15] - المؤسّسة العسكريّة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره، ص 439.

[16] - الاثنوقراطية، مصدر سبق ذكره، ص120.

[17] -  ايلان بابه، فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة، ترجمة محمد زيدان (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، ط 1، 2015)، ص 480.

[18] - يوسف العاصي الطويل، البعد الدينيّ لعلاقة أمريكا باليهود و"إسرائيل" وأثرُه على القضيّة الفلسطينيّة خلال الفترة 1948 ــــ 2009 (بيروت: مكتبة حسن العصريّة، ط1، 2014)، ص 195.

كميل أبو حنيش

وُلد سنة 1975 في قرية بيت دجن في فلسطين المحتلّة. نال البكالوريوس في الاقتصاد، وأصبح مسؤولًا لـ"جبهة العمل الطلّابي" ولـ"المكتب الطلّابي" في الضفّة المحتلة. اعتقله العدوّ الإسرائيليّ وسجنه عدّة مرات. كما سُجن لدى أجهزة السلطة الفلسطينيّة. وما إنْ بدأت الانتفاضةُ الثانية حتى حمل سلاحَه وتقدّم الصفوفَ الأولى، ثمّ أسّس مع رفاقه في الأرض المحتلّة "كتائب الشهيد أبي علي مصطفى" ــ ــ الذراعَ المسلّحة للجبهة الشعبيّة.
تعرّض لغيرِ محاولة اغتيال، ومن بينها استهدافُه بسيارةٍ مفخّخة بتاريخ 25/5/2001 أصيب خلالها إصابةً بالغة.
هدمتْ قواتُ الاحتلال منزلَ عائلته أثناء ملاحقته، بعد اعتقاله بتاريخ 15/4/2005.

طالبتْه "المحكمة" بدفع مبلغ 15 مليون دولار ردًّا على عمليّة مستوطنة "ايتمار" التي اتهمتْه بالتخطيط لها (نُفّذتْ في حزيران 2002 وأسفرتْ عن مصرع خمسة مستوطنين). وقد وَجّهت "المحكمةُ" الصهيونيّة إليه تهمًا أخرى، بينها تجنيدُ منفِّذ العملية الاستشهاديّة في سوق نتانيا في أيّار 2002 (أسفرتْ عن مصرع ثلاثة مستوطنين).
صدرتْ له دراسات سياسيّة واقتصاديّة وأدبيّة. كما صدرتْ له رواية بعنوان: وجع بلا قرار.